هبة زووم – الرباط
في خطوة تشريعية تُثير أكثر من علامة استفهام حول جدية السلطة التشريعية في مواكبة القضايا الحقوقية الحساسة، صادق مجلس النواب، يوم الثلاثاء 22 يوليوز 2025، في قراءة ثانية، على مشروع القانون رقم 03.23 القاضي بتغيير وتتميم القانون رقم 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، وسط حضور هزيل لم يتجاوز 62 نائباً فقط من أصل 395 يشكلون قوام المجلس. وهو ما يُعيد إلى الواجهة النقاش القديم الجديد حول الغياب المزمن للنواب عند لحظات التصويت المصيرية.
وبحسب نتائج التصويت، وافق على المشروع 47 نائباً، فيما عارضه 15 نائباً، دون تسجيل أي حالة امتناع. وهي أرقام تعكس برودة التفاعل مع نص قانوني يُلامس منظومة العدالة الجنائية، ويُفترض أن يكون محور نقاش واسع ومفصل بالنظر إلى تأثيراته الاجتماعية والحقوقية العميقة.
تعديلات جزئية.. ومخاوف كبرى
التعديلات التي أدخلها مجلس المستشارين قبل إحالته إلى النواب همّت، في ظاهرها، تحسين بعض الإجراءات التقنية، من قبيل “ضبط مسطرة الحجز وتجميد الممتلكات والأموال”، لضمان احترام حقوق الأطراف المعنية، خاصة من خلال استثناء الأجور والمعاشات والتركات غير المرتبطة بالجريمة من المصادرة.
كما تم إلغاء شرط الإنذار ضمن مسطرة الإكراه البدني، مع استحداث منصة إلكترونية خاصة لتدبير هذه المسطرة، وهو تعديل يسعى إلى تعزيز النجاعة القضائية، لكنه يفتح في المقابل نقاشاً حول فعالية هذه المنصات الرقمية في غياب بنيات تحتية ملائمة وتكوين كافٍ لموظفي العدالة.
من بين التعديلات المثيرة، رفع السن الأدنى لعدم تطبيق الإكراه البدني من 18 إلى 20 سنة، واستثناء المبالغ التي تقل عن 8000 درهم من نطاق هذه المسطرة، ما يعكس توجهاً نحو تخفيف الضغط عن الفئات الهشة، دون أن يحجب التساؤلات المرتبطة بمآلات تنفيذ هذه القواعد على أرض الواقع.
هوية المواطن تحت مجهر الزمن
ومن أبرز النقاط التي طالتها المراجعة، تقليص مدة التحقق من هوية الأشخاص، إذ أصبح الحد الأقصى 4 ساعات قابلة للتمديد لأربع ساعات إضافية بإذن من وكيل الملك، بعدما كانت تمتد إلى ست ساعات.
ورغم الترحيب النسبي بهذه الخطوة من طرف بعض الحقوقيين، إلا أن استمرار وجود هذه الإمكانية دون ضمانات صارمة يترك الباب مفتوحاً أمام التجاوزات المحتملة، خاصة في ظل ضعف الرقابة على مراكز الأمن.
العدالة الرقمية.. حلم مؤجل؟
في مسعى لتقليص الطابع الفرجوي والإعلامي لبعض الإجراءات القضائية، تضمن القانون المعدل حذف إذاعة المساطر الغيابية عبر الوسائل السمعية البصرية وتعويضها بنشر إلكتروني على منصة خاصة.
ورغم النية الظاهرة في تحصين حقوق الأفراد، يظل التنفيذ رهيناً بمدى فعالية هذه المنصات، وقدرتها على الوصول إلى المعنيين الحقيقيين، لا أن تتحول إلى واجهات صورية يصعب تعقبها.
وفيما يتعلق بالأحداث، فقد نصّ التعديل الجديد على مضاعفة مدة التخفيض التلقائي للعقوبة بالنسبة لهذه الفئة، وهو ما يُعد تطوراً مهماً في اتجاه عدالة أكثر إنصافاً للأطفال، لكنه يبقى دون تصور شامل لإصلاح منظومة قضاء الأحداث بالمغرب، والتي ما تزال تُراوح مكانها بين نصوص متقدمة وواقع متأخر.
إصلاح جزئي في ظل غياب الرؤية
رغم أن هذه التعديلات تحمل إشارات إيجابية جزئية، إلا أن غياب نقاش عمومي وحقوقي واسع، واقتصار التفاعل النيابي على أقل من سدس أعضاء المجلس، يُضعف من شرعية هذا الإصلاح ويضعف ثقته أمام المواطنين.
لقد آن الأوان لتحويل مثل هذه النصوص التشريعية إلى مشاريع مجتمعية تحظى بمتابعة جدية من قبل ممثلي الأمة، لا أن تُمرر في جلسات شبه فارغة، ووسط صمت مطبق من أغلب الفرق النيابية. فالمسطرة الجنائية ليست مجرد تفاصيل تقنية، بل هي مرآة لمنظومة العدالة و”ترمومتر” لمدى احترام كرامة المواطن وحرياته.
تعليقات الزوار