هبة زووم – إلياس الراشدي
في وقت تتحدث فيه الدولة عن ضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة، يثير تأخر عامل إقليم النواصر، جلال بنحيون، في تفعيل مسطرة العزل ضد رئيس جماعة بوسكورة، بوشعيب طه، وثلاثة من نوابه، علامات استفهام كبرى حول حدود سلطة العامل، ومدى استقلالية قراراته، وما إذا كان قد خضع لضغوط أو اختار التماهي بصمت مع واقع فساد موثّق.
فرغم أن تقرير المفتشية العامة للإدارة الترابية الذي توصّل به العامل منذ مدة، كشف عن خروقات خطيرة في مجال التعمير وتدبير الجبايات، ظل الملف يُراوح مكانه داخل رفوف العمالة، دون أن يُفعّل في حينه، ما اعتبره متابعون “تراخياً إدارياً غير مبرر، بل وربما محاولة لربح الوقت وتمييع المتابعة السياسية والإدارية”.
صحيح أن عامل الإقليم أشر أخيرًا على العزل، لكن الأوان قد يكون قد فات. فقد استمرت الخروقات طيلة أشهر، وواصل الرئيس ونوابه تسيير الجماعة دون حسيب ولا رقيب، يصرفون المال العام ويوقعون تراخيص البناء، بينما ساكنة بوسكورة تتساءل: أين العامل؟ ولماذا لم يتحرك مبكرًا؟ وهل كانت الضرورة تقتضي انتظار “تقرير رسمي مكتوب” أمام خروقات كانت حديث العام والخاص في المدينة؟
إن التأخر في العزل لم يكن فقط قرارًا إداريًا بطيئًا، بل أحدث ضررًا فعليًا بمصالح المواطنين، وسمح باستمرار شبكة فساد موصوفة بالتحرك والتوقيع والبناء على أنقاض القانون.
فهل نحتاج فعلًا لتقارير خارجية كي نتحرك؟ ومتى كان العامل في حاجة لتعليمات خارجية للقيام بواجبه الميداني في المراقبة والتتبع والتدخل الفوري؟
بعض المتابعين يذهبون حدّ اتهام العامل بالتواطؤ بالصمت أو الخضوع لحسابات سياسية محلية، خاصة أن جماعة بوسكورة تعرف “تشابك المصالح بين المنتخبين وبعض رجال الأعمال النافذين”، الذين ربما نجحوا في فرملة أي تدخل مبكر من السلطة الإقليمية، إلى أن أصبح تحريك المسطرة أمراً لا مفر منه بعد تسريب معطيات التفتيش للرأي العام.
المثير أكثر، هو أن قرار العزل حتى اللحظة لا يُواكَب بتحريك دعوى قضائية أمام النيابة العامة، رغم أن الوقائع الواردة في تقرير المفتشية تتضمن شبهات تبديد مال عام، وتزوير، وغدر ضريبي، واستغلال للنفوذ، وهي جرائم يُعاقب عليها القانون الجنائي، ولا يمكن تسويتها إدارياً فقط. فهل يكتفي العامل بـ”حذف الأسماء من اللائحة” دون متابعة حقيقية؟ وهل نعيش عهداً جديداً من “العزل دون مساءلة”؟
الواضح اليوم أن تأخر العامل بنحيون في الحسم في هذا الملف، نزع جزءاً من الثقة التي بدأت تتشكل في الأداء الترابي للإدارة الجديدة بالإقليم. فقد أعاد هذا السلوك الذاكرة إلى عهد “الصمت المريب”، حيث تتحول التقارير الرقابية إلى أوراق صامتة لا تجد من يفعّلها، وتُقبر ملفات الفساد في انتظار دورة انتخابية جديدة.
وحتى إن كانت هناك ضغوط فوقية، فالدستور واضح: الولاة والعمال يتحملون مسؤولياتهم الكاملة في مراقبة شرعية القرارات المتخذة من طرف المنتخبين، ولا يُعفون من المساءلة بحجة البطء الإداري أو غموض المساطر.
السؤال الذي يُطرح بإلحاح هو: من يراقب العامل؟ وإذا كانت الجماعة مسؤولة أمام وزارة الداخلية، فمن يُحاسب العامل حين يتأخر في التدخل؟ وهل سيظل بنحيون في موقع المسؤولية دون أي مساءلة عن هذا التأخير، الذي كلّف المدينة شهورًا من التسيير العشوائي والتبذير المفضوح للمال العام؟
إن العزل المتأخر لا يغسل أيدي من تهاونوا، بل يُبرز ضرورة فتح تحقيق إداري موازٍ في كيفية تعامل العمالة مع الملف، وتحديد المسؤوليات بدقة، لأن ما وقع ببوسكورة لا يجب أن يُختزل في أسماء منتخبين فقط، بل في من لم يحرك ساكناً رغم علمه بالخروقات.
اليوم، أثبتت قضية بوسكورة أن شعار “لا أحد فوق القانون” ما زال معلقًا في شعارات الدولة، ينتظر من يفعّله على الأرض، لا من يُحوله إلى ورقة ضغط مؤجلة، والكرة اليوم في ملعب وزارة الداخلية: فهل تُحاسِب من لم يُحاسِب؟
تعليقات الزوار