هبة زووم – مكناس
مع اقتراب انطلاق فعاليات الدورة 18 للمعرض الدولي للفلاحة بمكناس، لا تعود فقط أضواء الحدث الدولي لتسطع على عاصمة إسماعيل، بل تعود أيضاً ظلال الأسئلة المحرمة حول الحكامة والشفافية في تدبير صفقات التواصل المرتبطة بهذا الموعد الفلاحي الأبرز في المغرب.
ففي وقت ينتظر فيه المهنيون والمواطنون نفساً جديداً يواكب الطموحات الكبرى للقطاع، تفاجأت الأوساط الإعلامية بإسناد مهام التواصل مرة أخرى لنفس الشركة التي هيمنت على الدورات السابقة، وعلى صفقات مماثلة كمعرض التمور، في مشهد يبعث على الريبة ويثير أكثر من علامة استفهام حول معايير الانتقاء وأسطورة تكافؤ الفرص.
هذا الإصرار الغريب من الجهات المنظمة على تكرار نفس الوجوه التدبيرية، رغم الانتقادات المتزايدة بخصوص ضعف الأداء وغياب مقاربة تواصلية فعالة، يضع وزارة الفلاحة، وعلى رأسها الوزير أحمد البواري، في حرج حقيقي أمام الرأي العام.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: كيف لشركة أثبتت التجارب الميدانية عجزها عن تقديم تسهيلات مهنية بسيطة للصحافيين، أن تظل الخيار الوحيد والمقدس لحدث دولي بهذا الحجم؟ وهل غابت فعلاً الكفاءات الوطنية في مجال التواصل لدرجة حصر كعكة المعرض في يد جهة واحدة دون غيرها، أم أن الأمر يتعلق بخيار سياسي يُفضل الولاء على الكفاءة؟.
هذا، ولا يتوقف الانزياح القيمي في تدبير ملف التواصل عند حدود ضعف الأداء، بل يمتد ليمس العدالة المجالية وحقوق المنابر الإعلامية المحلية بمكناس، في ممارسة تُذكر بالإقصاء الممنهج الذي يضرب في الصميم مبدأ الشراكة والتنمية الترابية.
فمن المؤسف حقاً، كما يصفه متتبعون، أن نرى شركة التواصل تتعامل بمنطق الاحتقار الممنهج تجاه إعلام المدينة المستضيفة، عبر حرمانهم من عقود الشراكة الجادة أو نصيب عادل من الإشهار، والاكتفاء بمنحهم فتاتاً بائساً يراد به إسكات الأصوات المنتقدة لا إشراكها كشريك تنموي حقيقي.
هذا الواقع المر يطرح إشكاليات وجودية: لماذا لا تُعلن لجنة تنظيم المعرض عن معايير شفافة لاختيار شركاء التواصل، بينما تُترك شبكات النفوذ تدير المشهد؟ وأين هي آلية محاسبة تضمن أن كل درهم من المال العام يُصرف في مكانه الصحيح؟ وكيف يمكن لإعلام محلي أن يثق في شراكة حقيقية بينما يجد نفسه يُعامل كضيف ثقيل في مدينته؟
ولم يتوقف الانزياح عند حدود الإعلام، بل ضرب أيضاً هيبة الإدارة الترابية، فبينما عقد عامل عمالة مكناس اجتماعات ماراطونية مع هيئات مهنية لتكريس مبدأ إنصاف الصحافة المحلية وضمان استفادتها من إشعاع المعرض، جاء واقع الحال ليؤكد أن توصيات الإدارة الترابية ذهبت أدراج الرياح أمام جبروت شركة تواصل يبدو أنها تستمد قوتها من غياب دفاتر تحملات واضحة ومن انعدام المساءلة والمحاسبة الفعالة.
فتحويل الحدث الدولي من فرصة تنموية إلى ساحة للمحسوبية لا يُهدر فقط حقوق الإعلام المحلي، بل يُعمّق شعور المواطنين بالعجز المؤسسي الذي يُحوّل المسؤول من خادم للمصلحة العامة إلى حارس للامتيازات.
اليوم لا ينبغي أن يقتصر الرهان في المعرض الدولي للفلاحة بمكناس على عرض المواشي والآليات، بل يجب أن يمتد لتكريس نموذج حكامة يحترم المال العام ويقطع مع سياسة الولاءات والمحاباة في الصفقات.
فمن غير المقبول أن تظل ميزانيات التواصل الضخمة تُصرف بعيداً عن أعين الرقابة، في حين يتم حرمان الإعلام المحلي من حقه في الوصول للمعلومة ومن حقه في شراكة كريمة تليق بمكانته.
هذا الواقع المر يطرح إشكاليات جوهرية: لماذا لا تُبادر وزارة الفلاحة إلى فتح تحقيق إداري شفاف لتقييم مردودية الشركة المكلفة بالتواصل، بدلاً من الاكتفاء بتجديد الثقة دون محاسبة؟ وأين هي استراتيجية المنافسة الشريفة التي تضمن أن تُسند الصفقات لأفضل العروض، لا لأقرب الولاءات؟
فتحويل المال العام اليوم من أمانة وطنية إلى غنيمة محسوبية لا يُهدر فقط فرص التنمية، بل يُرسّخ ثقافة الإفلات من العقاب التي تُقدم راحة النفوذ على شرف الشفافية.
لقد آن الأوان لوزارة الفلاحة أن تفتح صفحة جديدة في تدبير حدثها الأبرز، بعيداً عن منطق التكرار والولاءات، فمكناس، كمدينة محتضنة، وإعلامها الصامد، يستحقون أكثر من مجرد بطاقات اعتماد تمنح كصدقة في آخر لحظة، بينما توزع الملايين في صالونات مكيفة بعيدة عن واقع الميدان.
إن نجاح المعرض الدولي للفلاحة لا يُقاس فقط بعدد الزوار أو حجم الصفقات الفلاحية، بل أيضاً بنزاهة تدبيره وشفافية عقوده وعدالة توزيع فرصه، فإما أن تتحول وعود الحكامة من كلمات في بلاغ إلى ممارسات على الأرض، مع إرادة سياسية حقيقية ورقابة فعلية، وإما أن يستمر الشك يلاحق هذا الحدث العريق، مما يُهدد برهانه التنموي ومصداقيته الدولية.
تعليقات الزوار