هبة زووم – الرباط
في وقت يتزايد فيه اعتماد ملايين المواطنين على أنظمة التقاعد كوسيلة لضمان الأمن الاجتماعي بعد نهاية المسار المهني، كشف تقرير مؤسسة وسيط المملكة لسنة 2024 عن معطيات مقلقة بشأن استمرار اختلالات هيكلية تمس جوهر هذا الحق الدستوري، وتهدد فعلياً كرامة المتقاعدين وذوي الحقوق في مختلف القطاعات.
التقرير، الذي تم نشره، رسم صورة قاتمة عن طريقة تدبير ملفات التقاعد، محذراً من أن “التمتع الفعلي بهذا الحق لا يزال يواجه عدة معيقات”، على رأسها أخطاء في تحويل الاشتراكات من طرف الإدارات العمومية، وعدم التصريح بفترات اشتغال، وتعقيد مساطر التصحيح والتسوية، فضلاً عن هزالة المعاشات التي تزيد من هشاشة فئات واسعة من المتقاعدين.
واحدة من أبرز النقاط التي تطرق إليها التقرير هي الأخطاء في تسجيل الاشتراكات، حيث تؤدي الإدارة في حالات كثيرة إلى تسجيل الموظف أو المستخدم في نظام غير معني به، ما يخلق عراقيل إدارية عند التصفية، ويؤدي إلى تأخير احتساب المعاشات وتفاقم معاناة المتقاعدين عند اللحظة الحرجة التي ينتظرون فيها دخلاً قارًا بعد سنوات من العمل.
وتزداد حدة الإشكال عندما لا تُصرّح الإدارات بفترات اشتغال كاملة، ما ينتج عنه خفض في قيمة المعاش، ويتحوّل المتقاعد إلى “متهم” مطالب بتسوية وضعيته المالية من ماله الخاص، بأثر رجعي، يشمل أداء واجبات مالية وفوائد تأخير، رغم أن الخطأ أصلاً إداري بحت.
المؤسسة سجلت كذلك أن غياب آليات إدارية واضحة وبسيطة لتدارك هذه الأخطاء، يطيل زمن التسوية، ويستلزم تدخلات متكررة من أطراف متعددة، دون وجود إطار موحد وشفاف.
وهذا الوضع، بحسب التقرير، يتطلب حلاً مؤسساتيًا وهيكليًا تُبلوره الجهات الحكومية المختصة بشكل يقطع مع الأساليب الإدارية التقليدية المعرقلة للحقوق.
وعلى مستوى أعمق، توقف التقرير عند ضعف المعاشات التي يتقاضاها العديد من المتقاعدين، والتي توصف بأنها “لا تضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة”، خاصة وأنها تتعرض لاقتطاعات إضافية للتغطية الصحية، ما يجعل تأثيرها شبه معدوم في ضمان الأمن المعيشي للفئات المتقاعدة، ناهيك عن ذوي الحقوق كالأرامل والأطفال.
وبينما يكفل القانون المغربي للمواطنين، وخاصة الأجراء والموظفين، الحق في معاش عادل، سواء عند التقاعد أو في حالات العجز والوفاة، يبين تقرير الوسيط أن الهوة بين النص القانوني والواقع الإداري لا تزال واسعة، فعدد كبير من التظلمات التي ترد على المؤسسة سنويًا تعكس عمق الأزمة وتُبرز الحاجة إلى إصلاح جذري وشجاع.
كما نبّه التقرير إلى أن فلسفة نظام التقاعد ترتكز على توفير دخل شهري قار للمنخرط أو ذوي حقوقه، يحفظ الكرامة ويعوّض عن فقدان الدخل بعد التوقف عن العمل، غير أن الاختلالات المتراكمة في التدبير والتنفيذ تعصف بهذه الأهداف، وتحوّل المعاش أحيانًا إلى عبء بدل أن يكون دعامة اجتماعية.
وبناء على هذه المعطيات، يدعو التقرير الجهات الحكومية المعنية إلى إصلاح المنظومة الإدارية المرتبطة بالتقاعد بشكل عاجل، عبر تبسيط المساطر، وتحديث أنظمة التسجيل والتصريح، وضمان شفافية احتساب الفترات والأجور المرجعية، بما يعيد الثقة إلى هذا النظام الحيوي ويُنهي معاناة المتقاعدين مع البيروقراطية والإهمال.
كما شدد على أن الحفاظ على كرامة المواطن بعد التقاعد ليس مسألة تقنية أو إدارية فقط، بل هو تحدٍّ سياسي واجتماعي وأخلاقي يهم دولة تسعى إلى بناء عدالة اجتماعية متوازنة وإنصاف تنموي حقيقي.
تعليقات الزوار