هبة زووم – حسن لعشير
في لحظة كان يُنتظر أن تتسع فيها هوامش التعبير والحوار، اصطدمت محاولة تنظيم وقفة احتجاجية رمزية بكورنيش مدينة الفنيدق بجدار المنع، بعدما قررت السلطات المحلية عدم السماح بتنظيم هذا الشكل الاحتجاجي الذي دعت إليه فروع عدد من الأحزاب السياسية المحلية (التقدم والاشتراكية، الحزب الاشتراكي الموحد، العدالة والتنمية، الاتحاد الاشتراكي وجبهة القوى الديمقراطية).
الوقفة، التي كانت مقررة يوم الإثنين 4 غشت 2025، جاءت للتعبير عن رفض “مشهد الحصار غير المعلن” الذي فرضه تسييج شاطئ المدينة، في قلب موسم الاصطياف، وما يرافق ذلك من مظاهر التسيب والترامي على الملك العمومي، كما ورد في البلاغ الصادر عن الهيئات المنظمة.
السياق لم يكن عابرًا. فالمدينة الساحلية، التي تحاول استعادة أنفاسها بعد سنوات من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بإغلاق معبر سبتة، تواجه اليوم ما يعتبره العديد من الفاعلين المحليين سياسة تدبير مغلقة تكرّس الإقصاء بدل الإدماج، والتضييق بدل الانفتاح.
قرار تسييج شاطئ الفنيدق، دون مقاربة تواصلية شفافة، اعتُبر من قبل سكان المدينة خطوة مستفزة، تُذكّر بمظاهر العزل لا التنمية.
ووسط هذا الواقع، سعت الأحزاب الموقعة على البلاغ إلى إيصال رسالتها عبر وقفة سلمية، أُودِع إشعارها القانوني لدى السلطات المعنية في احترام تام للمقتضيات القانونية المنظمة للحق في التظاهر.
غير أن المفاجأة كانت في الرد الرسمي، الذي اختار المنع بدل الحوار، وأعاد إلى الواجهة السؤال القديم الجديد: هل تملك ساكنة الفنيدق حق الاحتجاج؟
الأحزاب المحتجة لم تكتف برفض قرار المنع، بل ذهبت أبعد من ذلك في تشخيص ما اعتبرته “أزمة تنموية” بالمدينة. فالمشاريع الاقتصادية التي سبق الإعلان عنها، وفق تعبير البلاغ، “افتقدت إلى البعد التنموي الحقيقي”، وباتت في نظر كثيرين عنوانًا لفشل مقاربة قائمة على الكم لا الكيف، وعلى التسويق لا الأثر الاجتماعي.
وقد حذر الموقعون على البلاغ من أن استمرار الوضع على ما هو عليه ينذر بمزيد من الاحتقان، في ظل تفاقم البطالة، وتراجع ثقة المواطنين في المؤسسات، وتهميش الفاعلين المحليين من المعادلة التنموية، خصوصًا في ظل ما وصفوه بـ”سياسة الإقصاء والمنع والتضييق”.
بين النص الدستوري وروح الممارسة فجوة تتسع. فالفصل 29 من دستور 2011 يقرّ بوضوح الحق في التعبير والتجمع السلمي، والمواثيق الدولية المصادق عليها من طرف المغرب تُعزّز هذا الاتجاه.
غير أن واقع الحال في الفنيدق يعكس مفارقة صارخة بين المكتسبات القانونية والتطبيق الفعلي، مما يطرح علامات استفهام مقلقة حول الالتزام السياسي والمؤسساتي بتلك الحقوق.
وفي ختام بلاغها، وجهت الهيئات السياسية دعوة إلى السلطات العمومية لاعتماد مقاربة تشاركية وإنصافية في التعامل مع المدينة وقضاياها، مستحضرة ما جاء في خطاب العرش الأخير من دعوة إلى تجاوز “مغرب بسرعتين” وتحقيق عدالة مجالية شاملة.
كما جددت التأكيد على أن الفنيدق تستحق أن تكون فاعلًا حقيقيًا في التنمية الوطنية، لا مجرد متلقٍّ لقرارات فوقية تُفرض دون حوار.
في ظل ما تعيشه المدينة من غليان مكتوم واحتقان اجتماعي واقتصادي متزايد، يبدو أن خيار المنع والتجاهل لم يعد مجديًا، الفنيدق اليوم، بكل ما تختزنه من تاريخ وإمكانات بشرية وسياحية، تطالب فقط بالحق في التنظيم، في التنمية، في أن تُرى وتُحترم.. وهو ما يفرض على السلطات إعادة التفكير في تعاطيها، لا بمنطق الوصاية، بل بمنهج الإنصات والتشارك.
تعليقات الزوار