هبة زووم – إلياس الراشدي
في قلب الدار البيضاء، وتحديدًا داخل تراب عمالة مقاطعة عين الشق، تتصاعد أصوات السخط الشعبي، ويتنامى الغضب وسط ساكنة سيدي معروف، التي أصبحت تختزل معاناة حيّ مهمّشي في جملة: “أش خصك العريان؟… السهرات أمولاي!”.
فعوض الاستثمار في البنيات التحتية المنهارة، وتحسين ظروف العيش، قررت المقاطعة، بقيادة رئيسها محمد شفيق ابن كيران، تنظيم سهرة فنية بمشاركة أسماء فنية مشهورة، أبرزها دنيا بطمة و”البنج”، في خطوة وُصفت بأنها تعكس أولويات مختلّة وعقليات تسيير لا تضع المواطن في قلب القرار.
السهرة التي نُظمت بمنطقة سيدي معروف، رُوّج لها على أنها “احتفال فني لفائدة السكان”، سرعان ما تحولت إلى مادة للسخرية والغضب على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما طفت إلى السطح شهادات متطابقة من الساكنة حول غياب الإنارة، وتدهور الصرف الصحي، وانقطاعات الماء المتكررة، وفوضى الباعة المتجولين، واختناق الشوارع بغياب أي تنظيم حضري معقول.
إن الاختلال في ترتيب الأولويات داخل المقاطعة يثير تساؤلات عميقة حول دور المجلس الجماعي في تلبية الحاجيات الأساسية، وهو ما جعل العديد من الفاعلين المحليين يعتبرون أن السهرات لا تُشبع جوعًا ولا تُطفئ عطشًا، ولا تنير زقاقًا مظلمًا.
وفي ظل هذه الأوضاع، تتجه الأنظار إلى العامل بشرى برادي، التي يبدو أنها تراقب المشهد من موقع الحياد، رغم ما تخوّله لها سلطتها من صلاحيات دستورية وإدارية واسعة لمساءلة المنتخبين، وتوجيههم نحو احترام أولويات التنمية المحلية.
فغياب تدخل واضح من طرف السيدة العاملة جعل البعض يتهمها بـ”الضعف أمام رئيس المقاطعة”، فيما يرى آخرون أن صمتها يفتح الباب أمام مزيد من العبث، خاصة أن محمد شفيق ابن كيران يسير المقاطعة وكأنه يتوفر على “وكالة حصرية”، لا يُشاور، ولا يُناقش، ويعتمد أسلوب التسيير المنفرد.
تعيش منطقة سيدي معروف وضعًا اجتماعيًا وتنمويًا متأزمًا، تجسده مشاهد الفقر الحضري، والبنيات المتقادمة، والعشوائيات التي تنمو في صمت. هذه المعاناة تُفاقمها اختلالات في توزيع العدادات، ومشاكل بنيوية في الماء والكهرباء، بالإضافة إلى غياب أي رؤية لإدماج الأحياء الجديدة في دورة تنموية عادلة.
ورغم أن سيدي معروف تُعدّ من الخزانات الانتخابية الأساسية بالمقاطعة، إلا أن ساكنتها لم تلمس أي استفادة ملموسة من هذا الوزن، في مشهد يفضح بشكل سافر منطق “الاستغلال الانتخابي بدون مقابل اجتماعي”.
ما يثير الاستغراب أكثر هو أن برامج تنموية وطنية كبرى كالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي تتطلب مواكبة حقيقية من طرف ممثل السلطة الترابية، يبدو أنها تحولت بدورها إلى أدوات للاستهلاك الإعلامي دون أثر على الواقع، في وقت تستمر فيه مظاهر التهميش والتفاوتات المجالية في الاتساع.
إن تخصيص ميزانيات عمومية للأنشطة الترفيهية في بيئة تعاني من العطش، والظلام، والفوضى، يعكس فشلاً ذريعًا في فهم أولويات التنمية، وغيابًا تامًا لأي منظور تشاركي أو مقاربة اجتماعية تضع الإنسان في قلب السياسات المحلية.
وفي هذا السياق، تُحمّل فعاليات جمعوية وحقوقية السيدة العاملة بشرى برادي مسؤولية ما يجري، وتدعوها إلى التحرك العاجل، ليس فقط باعتبارها ممثلة لصاحب الجلالة في تراب عمالة عين الشق، بل بصفتها مسؤولة دستوريًا عن السهر على ضمان حسن تدبير الشأن المحلي ومراقبة العمل الجماعي.
والمطلوب اليوم، ليس فقط فتح تحقيق شامل حول طرق صرف المال العام داخل المقاطعة، بل إعادة ضبط بوصلة التنمية بما يخدم مصالح الساكنة، ويُعيد الثقة في المؤسسات.
ففي زمن يُرفع فيه شعار “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، لا يمكن القبول بأن تتحول مقاطعة عين الشق إلى نموذج للفوضى المؤسساتية، حيث يتصرف رئيس المقاطعة بمنطق الإقطاع المحلي، بينما تكتفي السلطة المحلية بالمراقبة عن بعد.
سيدي معروف اليوم لا تحتاج إلى سهرات… بل إلى ماء وإنارة وعدالة مجالية. فهل ستصغي الإدارة الترابية؟ أم أن السهرات ستظل تغطي على العتمة التي تحاصر السكان من كل جانب؟
تعليقات الزوار