الجديدة: “طار العكر وبقيت الخنونة” أو حينما تباع المدينة بالمتر وتشترى بالوعود

هبة زووم – أحمد الفيلالي
لم تعد مدينة الجديدة، عاصمة دكالة، ذلك الفضاء الذي يحمل آمال التنمية ومقومات الصعود الاقتصادي والاجتماعي، بل تحولت إلى مختبر للفشل التنموي وعنوان بارز لبطء الدولة في معالجة اختلالاتها.
هنا يتجلى، بأوضح الصور، ما حذّر منه جلالة الملك في خطابه الأخير للعرش: “لا مكان اليوم ولا غدا، لمغرب يسير بسرعتين”.
الجديدة، بما تتوفر عليه من رصيد فلاحي ضخم، وواجهة صناعية محتملة، وحضور جامعة وطنية، كان يُفترض أن تكون قاطرة للتنمية الجهوية، لكنها تحولت إلى مدينة باهتة على هامش الخريطة.
فلا فلاحة حديثة مبنية على الابتكار والتسويق، ولا صناعة تخلق فرص الشغل وتنتج القيمة المضافة، ولا جامعة تتحول إلى رافعة للبحث العلمي والتطوير. كل ما تبقى هو مدينة تستهلك أكثر مما تنتج، وتقتات على فتات الريع والتحويلات.
أما السلطة، فبدل صياغة رؤية تنموية مندمجة، اختارت الطريق الأسهل: بيع الذاكرة قطعة قطعة، مترًا بمتر، باسم الاستثمار.
تُرفع اللوحات الإعلانية التي تبشر بمشاريع المستقبل، لكن أي مستقبل؟ بالتأكيد ليس مستقبل أبناء المدينة الذين صاروا غرباء في مدينتهم.
الجديدة اليوم أشبه بلوحة إعلانية ضخمة: مظهر جميل من بعيد، وفراغ قاتل في الداخل. تُباع الأحلام مع الأقساط البنكية، ويُرهن الغد لصالح شركات العقار.
مدينة تتحول تدريجياً إلى فضاء استهلاكي معروض للبيع، حيث البيت لم يعد بيتاً، بل منتوجاً عقارياً يُسوَّق بألوان براقة: “ثلاث غرف، صالون، مطبخ عصري”.
لكن وسط كل هذا اللمعان المصطنع، يظل السؤال المؤرق: من يسوّق الأمان؟ من يبيع ذاكرة الطفولة؟ من يعيد للمدينة رائحة الخبز الساخن التي كانت تملأ الأزقة وتغذي الانتماء؟
الجديدة، التي كان يُفترض أن تكون قلب الشاوية ونقطة وصل بين أقطاب المغرب، تغرق اليوم في عطب التنمية، وتستغيث من أجل من يعيد لها روحها، بعيداً عن لغة الإشهار ومضاربات العقار، وقريباً من نبض سكانها وحقوقهم في مدينة عادلة ومنصفة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد