الدار البيضاء.. اقتصاد الريع يتجلى في أبهى صوره تحت شعار “اعطيني نعطيك”

هبة زووم – إلياس الراشدي
في الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمغرب، يتحول اقتصاد الريع إلى شجرة زيتون معمّرة، جذورها تمتد لعقود، وفروعها تحمل ثمارًا لا تُقطف إلا في “المحافظ العائلية”.
كل جيل يورث امتيازه للجيل الذي يليه، في دورة اقتصادية مغلقة لا تسمح بدخول الغرباء إلا إذا حملوا بطاقة تعريف ممهورة بختم الولاء، أو صلات قرابة، أو صداقة المدرسة الخاصة.
هنا، لا يحتاج المرء دائمًا إلى فكرة مبتكرة أو مشروع اقتصادي صاعد للوصول إلى القمة؛ فالأمر في كثير من الأحيان يتوقف على الانتماء للعائلة أو شبكة المعارف أو الانخراط في دوائر الولاء السياسي والاجتماعي.
اقتصاد الريع بالدار البيضاء لا يمثل مجرد ظاهرة اقتصادية، بل هو فن متوارث، له قواعد غير مكتوبة، و”مدارس” ينتج عنها أبطال الصفقات والسيطرة على الموارد.
أما المستفيدون الصغار، فهم فنانون وأشباه مثقفين، رياضيون من الصفوف الخلفية، وحتى بعض الشخصيات النسائية اللواتي يتقنّ “الرقص على إيقاع الولاءات” أكثر من إيقاع الموسيقى.
نصيبهم من الكعكة غالبًا لا يتجاوز الفتات: مأذونيات نقل مريحة، منح شهرية تصل إلى 30 ألف درهم مقابل خدمات غامضة، حفلات مدفوعة الأجر، أو دعم ثقافي موزع بسخاء قبيل الانتخابات أو المهرجانات.
أما الكبار، فهم حاملو رخص الصيد في أعالي البحار، أصحاب المقالع المعدنية، ملاك الأراضي الشاسعة التي منحت بأثمان رمزية، وأولئك الذين حوّلوا صحراء الامتيازات إلى ثروات، واستغلوا الموارد الطبيعية والسياسية لتكريس سلطتهم الاقتصادية والاجتماعية.
هؤلاء لا يظهرون عادة أمام الكاميرات، لكن أسماءهم محفورة في دفاتر الامتيازات، كما تُحفر على الأضرحة، لتضمن استمرار النفوذ والهيمنة عبر الأجيال.
هكذا، تتحول العاصمة الاقتصادية إلى فضاء تتجلى فيه سياسة “اعطيني نعطيك” بأبهى صورها، حيث يتوارث بعض الأفراد والمجموعات امتيازاتهم، بينما يبقى المواطن العادي ومبادرات الشباب الطموح مجرد متفرج على ثمار ثروات لا يدخلها إلا المختارون.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد