هبة زووم – أحمد الفيلالي
في سطات، لم يعد الحديث عن “مكاتب الدراسات” مجرد نقاش تقني حول جودة التقارير أو جدوى الاستشارات، المسألة صارت تمس صميم المال العام وتسيير الشأن المحلي، بعدما تحولت بعض هذه المكاتب إلى ما يشبه “آلات” لامتصاص الميزانيات، تقدم أوراقًا منسوخة أو تقارير سطحية، بينما الفواتير تتضاعف بأرقام صادمة.
الآليات التي تفتح الطريق أمام هذه المكاتب نحو صفقات الجماعات ليست لغزًا كبيرًا. وفق معطيات متقاطعة، هناك شبكة من العلاقات الخفية، تبدأ عند بعض المنتخبين وتنتهي عند توقيع الصفقات، مقابل نسب مئوية مضمونة. الأدهى أن بعض الرؤساء أنفسهم يقفون خلف شركات ومقاولات بأسماء أبنائهم أو أقاربهم أو حتى أشخاص عاديين يُستعملون كـ “واجهات”، ليظل المسؤول بعيدًا عن الشبهات بينما تلتهم “الشركات الوهمية” نصيبها من الكعكة.
النتيجة واضحة على أرض الواقع: مشاريع ولدت ميتة، طرق تتآكل بعد أشهر قليلة من إصلاحها، أعمدة إنارة تنطفئ بلا صيانة، مرافق تتحول إلى أطلال، فيما المواطن يُقنع بأن الأزمة سببها ضعف الموارد أو تأخر التحويلات المالية. والحقيقة أبسط وأكثر قسوة: جيوب انتفخت على حساب الساكنة وجودة حياتها.
في مواجهة هذا العبث، يبرز اسم عامل الإقليم، محمد علي حبوها، الذي كثف في الآونة الأخيرة من تحركاته لمراقبة مساطر الصفقات ومراقبة جودة المشاريع، واضعًا نصب عينيه محاربة “جبروت” هذه المكاتب وشبكاتها.
الرجل، بحسب مصادر محلية، يسعى إلى فرض قواعد أكثر صرامة في اختيار مكاتب الدراسات، وربط الأداء بالنتائج الميدانية، بدل الاكتفاء بتقارير ورقية لا تعكس الواقع.
المعركة التي يخوضها العامل حبوها ليست سهلة؛ فهي تمس مصالح مترسخة وتقتضي جرأة في مواجهة تحالفات تجمع بين المال والسياسة، وتستغل ثغرات قانونية لإدامة هيمنتها، لكنها، في المقابل، معركة ضرورية إذا أراد الإقليم أن يقطع مع زمن المشاريع الورقية ويؤسس لمرحلة جديدة قوامها النجاعة والشفافية.
يبقى الرهان اليوم على أن تترجم هذه الجهود إلى إصلاح حقيقي، يُغلق الباب أمام “تجار الدراسات” ويعيد الاعتبار للمال العام، حتى لا يستمر المواطن في دفع ثمن فواتير تضخمها ممارسات غير مسؤولة، بينما يظل حلم التنمية رهينة مصالح ضيقة لا ترى أبعد من أرباحها السريعة.
تعليقات الزوار