ع.م – متابعة
تعود سجلماسة، هذه المدينة الأسطورية التي طبعت تاريخ التجارة العابرة للصحراء لأزيد من ألف عام، إلى واجهة الاهتمام الأكاديمي والإعلامي من جديد، بعدما بثّ موقع «راديو فرانس» ربورتاجاً معمقاً يعيد قراءة تاريخ هذا المركز الحضري الفريد، الذي شكل بوابة المغرب نحو إفريقيا الاستوائية، وعُقدة طرق لا نظير لها في شبكات القوافل القديمة.
الربورتاج، الذي أُنجز بشراكة مع عالمة الآثار الفرنسية كلوي كابيل، الباحثة في المركز الوطني للبحث العلمي الفرنسي (CNRS) وعضو فريق “الإسلام الوسيط” في مختبر “الشرق والمتوسط”، يكشف فراغاً كبيراً ما يزال يلفّ حقيقة سجلماسة على المستوى الأركيولوجي، رغم مكانتها التاريخية الوازنة وذكرها المتكرر في المصادر الوسيطية كمدينة غنية، محورية، وذات نفوذ اقتصادي غير مسبوق.
ورغم الإجماع التاريخي على أن سجلماسة كانت آخر محطة للقوافل المتجهة نحو مناجم الذهب في العمق الإفريقي، وأنها المدينة غير العاصمة الوحيدة التي سُمح لها بضرب العملة، إلا أن طبيعتها العمرانية وحياتها اليومية ما تزال لغزاً بالنسبة للباحثين.
فالمصادر الوسيطية اكتفت بوصف ثرائها ونشاطها التجاري الواسع، لكنها صمتت تماماً عن شوارعها، مساكنها، أسواقها، وتركيبها الاجتماعي.
لهذا، تقول كابيل إن التنقيب يبقى السبيل الوحيد لفهم سجلماسة الحقيقية، لكن هذه المهمة ليست باليسيرة؛ فقد واجهت الحفريات منذ سبعينيات القرن الماضي، بما في ذلك التعاون المغربي–الأمريكي خلال التسعينيات، صعوبات كبرى، أبرزها: هشاشة البقايا المبنية بالتراب، قساوة المناخ الصحراوي، صعوبة الوصول إلى الموقع مع محدودية وسائل الحفظ وسط الرمال والرياح.
ورغم التحديات، سمحت الحفريات بتحديد معالم المسجد الكبير، وهو اكتشاف حسم الجدل حول طبيعة المدينة، مؤكداً أنها مركز حضري مبني وليس معسكراً للقوافل كما افترض بعض الباحثين سابقاً.
ومن بين الاكتشافات البارزة أيضاً، وجود قناة صناعية كبرى كانت تشرف على تغذية الواحة وتوسيعها وفق تخطيط دقيق، ما يعيد النظر في تاريخ الاستقرار والزراعة في تافيلالت، ويكشف عن مستوى متقدم من التنظيم المائي والهندسي.
الربورتاج يشير إلى انطلاقة مرحلة جديدة من البحث منذ سنة 2024، بقيادة الباحثة المغربية أسماء الكعيمي من المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، في مشروع يعقد عليه المؤرخون آمالاً كبيرة لكشف المزيد من أسرار سجلماسة، هذه المدينة التي بنت ثروتها على السيطرة على تجارة الذهب والملح والعبيد، وصنعت لنفسها تاريخاً تهيمن عليه الأسطورة بقدر ما يحدده العلم.
وبين أطلالها الصحراوية التي تقاوم الزمن، تظل سجلماسة مفتاحاً لفهم جزء من تاريخ المغرب وإفريقيا، ومختبراً مفتوحاً لا يزال ينتظر من ينجح في فك غموضه وإعادة كتابة قصته.
تعليقات الزوار