برادة يستنجد بمتقاعدي وزارته.. مبادرة تكشف عمق أزمة مدارس الريادة وتعيد طرح سؤال الكفاءة داخل قطاع التعليم
هبة زووم – محمد خطاري
في خطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط التربوية، أطلقت وزارة التربية الوطنية مبادرة جديدة تستدعي من خلالها موظفيها المتقاعدين للعودة إلى حجرات المؤسسات التعليمية، في محاولة معلنة لـ”دعم برنامج الريادة”، لكنها تحمل في عمقها مؤشرات واضحة على أزمة بنيوية تضرب قلب المنظومة التربوية المغربية.
هذه المبادرة، التي جاءت في سياق قلق من تراجع مؤشرات الإصلاح وتزايد ضغط الرأي العام، لم تُقرأ كتدخل تكميلي ظرفي، بل كاعتراف صريح بفشل السياسات التي راهنت عليها الوزارة خلال سنوات.
إذ كيف يمكن لقطاع يضم آلاف الموارد البشرية النشيطة، ويستنزف مليارات الدراهم سنوياً، أن يعود لطلب النجدة من أطر أنهت مسارها المهني؟ وهل بات برنامج الريادة عاجزاً إلى درجة لا يجد معها كفاءات قادرة على تفعيله من داخل المنظومة الحالية؟
برنامج الريادة وُضع ليكون واجهة الإصلاح الجديد، وصندوقاً لاستثمار الوزارة في المستقبل، لكنه سرعان ما بدأ يكشف عن أعطاب عميقة: خصاص مهول في الموارد البشرية، غياب رؤية تكوينية متماسكة، وتضارب المهام بين الإدارات الجهوية والمحلية، فبدلاً من أن يفتح البرنامج آفاقاً جديدة، أضحى مرآة تعكس فوضى تدبيرية بلغت حد الاستعانة بمتقاعدين.
مربو الأجيال، الذين غادروا القطاع بعد عقود من العطاء، وجدوا أنفسهم أمام دعوات للعودة، في وقت كان فيه من المفترض أن تفرز منظومة التكوين المستمر كفاءات جديدة، وتخلق جيلاً من المدرسين القادرين على مواكبة التحولات البيداغوجية.
الأزمة لا تتعلق فقط بخصاص الموارد البشرية، بل ترتبط أساساً بارتباك واضح في قيادة القطاع، فبدلاً من التخطيط الاستراتيجي البعيد المدى، يفضّل المسؤولون حلولاً ترقيعية تُظهر ضعف الرؤية وانعدام الاستباقية.
إذ لا يمكن تصور أن قطاعاً يضم أكثر من 300 ألف موظف، وينفق ميزانيات ضخمة على التكوين، يجد نفسه في لحظة ما مضطراً لاسترجاع متقاعديه لتأمين مشروع حكومي.
الأخطر من ذلك، أن هذه الخطوة تُسقط الخطاب الرسمي حول “جودة التعليم” و”تجديد النخب” و”إعادة هيكلة الكفاءات”، لأن المنطق يقول إن قطاعاً صحياً يؤمن بإعداد أطر المستقبل، وليس بإعادة توظيف الماضي.
المثير في هذا القرار أن الوزارة تحاول تمريره كما لو أنه مبادرة “استثنائية”، بينما هو في الواقع محاولة لتغطية فشل واضح في التوظيف والتكوين وتدبير الخصاص. المتقاعدون ليسوا المشكلة، فهم خزان خبرة لا يُستهان به، لكن استدعاءهم بهذه الطريقة يكشف خللاً بنيوياً: غياب إطار واضح لتدبير الكفاءات داخل القطاع، ضعف تكوين الأطر الجديدة وعدم قدرتها على تنزيل البرامج الوطنية، اعتماد الوزارة على حلول ظرفية بدل إصلاحات جذرية وتناقض الخطاب الرسمي مع واقع المؤسسات التعليمية.
كما أن الخطوة تطرح تساؤلات حول مآل أموال التكوين المستمر، وحول سبب الفجوة التي جعلت الوزارة تفقد القدرة على إنتاج أطر فاعلة داخل جيلها المهني الحالي.
إذا كانت الوزارة قد وصلت إلى هذه الدرجة من الارتباك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد هو: لماذا استعانت بالمتقاعدين؟ بل أصبح: من يقود الإصلاح ومن يراقب نتائجه؟
المنظومة ليست بحاجة إلى متقاعدين بقدر حاجتها إلى قيادة جريئة تمتلك رؤية واقعية، تضع الكفاءة قبل الشعارات، وتعيد ترتيب الأولويات بعيداً عن الارتجال.
برنامج الريادة كان يفترض أن يكون عنواناً للتحول، لكنه اليوم يتحول – بفعل هذه الخطوات – إلى نموذج لفشل التدبير، وناقوس خطر يدق بقوة داخل أروقة الوزارة.