الحجز في المنبع: انقلاب هادئ في السياسة الجبائية للمغرب بين 2023 و2026

اسليماني م.عبد الله
أصبحت آلية الحجز في المنبع خلال السنوات الأخيرة إحدى أقوى الأدوات التي تعتمدها الدولة لضمان تحصيل الضريبة وضبط السيولة الجبائية، في مسار واضح نحو تحديث الإدارة الضريبية وتعزيز الشفافية في المعاملات المهنية.
فمنذ سنة 2023، انتقل المغرب من نظام تصريح يعتمد بشكل كبير على حسن النية إلى نظام مراقبة قبلية يقوم على اقتطاع الضريبة مباشرة من مصدرها، في تحوّل جوهري يهدف إلى تقليص التملص وتحسين معدل التحصيل دون الحاجة إلى مساطر طويلة أو مراجعات مرهقة.
وقد أسس قانون المالية لسنة 2023 لمرحلة جديدة، حين فعّل آلية الحجز في المنبع على الضريبة على الدخل والضريبة على الشركات في حالات محددة، خصوصاً لدى الأشخاص الذاتيين الخاضعين لنظام النتيجة الصافية الحقيقية أو النتيجة الصافية المبسطة.
ففي كل معاملة مهنية يقدم فيها هذا الصنف من الخاضعين خدمة أو سلعة لمقاولة أو جهة حكومية، يتم اقتطاع نسبة 10% من المبلغ غير الخاضع للضريبة، مع أداء الباقي للمورد.
أما بالنسبة للأشخاص الاعتباريين، فقد تم حصر الاقتطاع في الجهات الحكومية فقط، بنسبة 5% من مبلغ الـ hors taxe، في خطوة تستهدف مراقبة أكبر للمعاملات العمومية.
وجاء قانون المالية لسنة 2024 ليُوسّع هذه الآلية نحو الضريبة على القيمة المضافة، عبر مسارين متوازيين يهمّان موردي العتاد والأشغال من جهة، ومقدمي الخدمات من جهة أخرى، في انسجام مع التوجه العام نحو إدخال TVA ضمن دائرة المراقبة القبْلية.
وهكذا أصبحت الدولة تمارس دور “المصفاة الجبائية” قبل بلوغ الضريبة إلى الخاضعين لها، بما يضمن وصولها إلى الخزينة دون تأخّر أو تهرّب.
لكن التحوّل الأكبر جاء مع مشروع قانون المالية لسنة 2026، الذي يقترح للمرة الأولى إلزام المقاولات التي يتجاوز رقم معاملاتها خمسين مليون درهم بتطبيق الحجز في المنبع على معاملات الشركات، سواء تعلق الأمر بالضريبة على الشركات بنسبة 5% من مبلغ الـ hors taxe أو بالحجز على الضريبة على القيمة المضافة حسب الوضعية الجبائية للمورد.
وهو ما يمثّل انتقالاً من نظام يركّز على مراقبة الأشخاص الذاتيين إلى نظام يشمل حتى المعاملات بين المقاولات الكبرى. هذا التوجه يُعتبر خطوة استراتيجية نحو دمقرطة آلية الحجز في المنبع، لكنه يطرح في المقابل تحديات حقيقية ترتبط بارتفاع العبء المحاسباتي وتراجع السيولة لدى المقاولات الصغرى والمتوسطة التي تعتمد على التدفق النقدي اليومي.
يتضح من خلال هذا المسار أن المغرب يسعى إلى بناء نموذج جديد في التحصيل الضريبي، يجمع بين فعالية المراقبة وقوة الانضباط الجبائي، في سياق دولي أصبحت فيه الضريبة تُقتطع قبل وصول الدخل إلى الخاضع لها. غير أن نجاح هذا النموذج يتطلّب مواكبة مهنية دقيقة، وتطوير أنظمة معلوماتية، وتوضيحاً أكبر للمقاولات حتى لا تتحوّل الآلية من وسيلة ضبط إلى عبء يضغط على الاقتصاد اليومي للمهن الحرة والشركات الصغيرة والمتوسطة.
إن الحجز في المنبع، كما تؤكده تجارب 2023 و2024 ومضامين مشروع 2026، لم يعد مجرد تقنية محاسبية، بل أصبح توجهاً استراتيجياً في قلب السياسة الجبائية الحديثة.
وهو توجه يعكس إرادة الدولة في إحكام الرقابة على الوعاء الضريبي، وضمان المداخيل بشكل منتظم، وتحديث العلاقة بين الإدارة والملزمين بآليات أكثر شفافية ونجاعة، مع ضرورة التفكير في التوازن بين حماية الخزينة العامة والحفاظ على دينامية الاستثمار والسيولة الاقتصادية في المقاولات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد