هبة زووم – محمد خطاري
تفجّرت في إقليم ورزازات موجة غضب عارمة بعدما أقدم المجلس الإقليمي، خلال دورة استثنائية بتاريخ 20 نونبر 2025، على المصادقة بسلاسة مريبة على اتفاقية شراكة مع جمعية محلية بقيمة 45 مليون سنتيم، تتولى بموجبها تغطية أنشطة وبرامج المجلس بشكل حصري، في خطوة وُصفت بأنها “ارتداد خطير” عن مبادئ التعددية الإعلامية وحق الولوج المتكافئ للمعلومة.
هذه الخطوة، التي نزلت كصاعقة على الجسم الإعلامي المحلي، لم تكن مجرّد قرار إداري، بل تحوّلت إلى صفقة محاطة بروائح الريع والانتقائية وخلط الأوراق، إذ اعتبرت عدة مؤسسات وهيئات صحفية أن المجلس الإقليمي تعمّد إقصاء المنابر المهنية لفائدة جهة واحدة مجهولة المعايير، في وقت يفترض فيه احترام قواعد الحكامة والشفافية.
البيان المشترك لعدد من المقاولات الإعلامية والجمعيات الصحفية بالإقليم لم يُخفِ صدمته من “السابقة الخطيرة” التي تمسّ بشكل مباشر استقلالية الصحافة، وتفتح الباب واسعاً أمام تدجين الإعلام المحلي وتحويله إلى بوق انتخابي يخدم مصالح أطراف بعينها.
الهيئات المهنية رأت في الاتفاقية “تشويهاً فاضحاً” لدور الإعلام، وإهانة لفكرة التعددية، وتحايلاً على القانون، خاصة بعدما غابت أي معايير واضحة حول الجهة المنتقاة، واختفت معايير الكفاءة والمهنية في ركام من الغموض والارتجال المؤسساتي.
غير أن النقاش لم يقف عند حدود المجلس الإقليمي، بل امتد إلى السلطة الوصية نفسها، التي وجدت نفسها في قلب العاصفة.
فالخطير، وفق مصادر إعلامية محلية، هو أن العامل عبد الله جاحظ حضر حيثيات القرار ولم يحرّك ساكناً، وكأن الأمر لا يعنيه، رغم أن الاتفاقية تمرّ بالقرب من باب مكتبه، ورغم أن دوره المؤسسي يفرض رقابة صارمة على كل ما يتعلق بصرف المال العام وعقود الشراكة.
هذا الصمت المثير طرح سؤالاً موجعاً بين المتتبعين: هل يُعقل أن تمر خطوة بهذا الحجم دون علمه؟ وإن كان يعلم… فهل يعني ذلك مباركته الضمنية لما جرى؟ وإذا كانت “الخروقات” تُنفَّذ أمام أعينه دون تدخل، فكيف يمكن تخيّل ما يجري بعيداً عن مكتبه؟
تساؤلات ثقيلة تُطرح اليوم بإلحاح، خصوصاً في إقليم يعيش وضعاً تنموياً هشّاً، ويحتاج إلى سلطة تنفيذية يقظة لا إلى مسؤول يختار مقولة “كم من حاجة قضيناها بتركها” منهجاً في التسيير.
الأوساط الإعلامية لم تُخفِ استغرابها من توقيع هذه الاتفاقية بعد أيام فقط من اللقاء التشاوري بقصر المؤتمرات حول البرنامج الجديد للتنمية الترابية، وهو لقاء ترأسه العامل ذاته، وتضمّن إشارات ملكية واضحة إلى ضرورة إشراك الإعلام كركيزة لأي رؤية تنموية مندمجة.
كيف يمكن لمجلس إقليمي أن يحتكر الولوج الإعلامي لصالح طرف واحد، في الوقت الذي يدعو فيه رأس الدولة إلى الانفتاح، التعددية، والشفافية؟ وأي منطق ذاك الذي يجعل مؤسسة عمومية تتعامل مع الصحافة بمنطق “الحصرية” وكأنها شركة خاصة أو حملة انتخابية؟
المؤسسات الإعلامية الموقعة على البيان أعلنت رفضها القطعي للاتفاقية، مؤكدة أنها لن تقبل بأن تُعامل كـ “ملحق دعائي”، وأنها ستسلك كل المساطر القانونية دفاعاً عن حقها المشروع في الولوج إلى المعلومات، وعن مكانة الصحافة في حماية الحكامة الترابية.
كما دعت عامل الإقليم، باعتباره المسؤول الأول، إلى تفعيل صلاحياته القانونية والتدخل لإلغاء الاتفاقية، وإعادة الاعتبار لمبادئ الإنصاف وتكافؤ الفرص.
ورزازات اليوم ليست بحاجة إلى شراكات تلفيقية ولا إلى مقاربات انتقائية، بل إلى عمل مؤسساتي نزيه يعيد الثقة للساكنة، لا إلى ممارسات تزيد من منسوب الاحتقان وتغذي الشكوك حول طريقة تدبير الإقليم.
وحده التدخل الصارم لتصحيح المسار قادر على إعادة ترتيب المشهد، لأن ما يحدث اليوم ليس “خطأً تقنياً” ولا “إشكالاً إدارياً”، بل مؤشر على خلل بنيوي في علاقة السلطة بالمال العام والإعلام والمجتمع.
ويبقى السؤال الذي يطارد الجميع: هل يملك عامل الإقليم الشجاعة لكسر هذا الصمت الثقيل؟ أم أن ورزازات ستستيقظ قريباً على فصول جديدة من العبث المؤسساتي؟
تعليقات الزوار