سطات: مشاريع عمومية بملايين الدراهم وجودة تتآكل تحت وطأة الغش

هبة زووم – سطات
لم يعد الحديث عن اختلالات البنية التحتية في سطات مجرد انطباعات عابرة أو ملاحظات تقنية معزولة، بل تحول إلى واقع يومي يثير القلق والاستياء في صفوف الساكنة، ويطرح أسئلة حقيقية حول جودة إنجاز المشاريع العمومية بالإقليم، وحول الجهات المسؤولة عن مراقبة تنفيذها.
فالمتجول عبر شوارع المدينة أو طرقها المعبدة حديثاً لا يحتاج إلى خبرة هندسية متقدمة لاكتشاف حجم الأعطاب التي بدأت تظهر على تلك المنشآت، حفر تتشكل بسرعة قياسية في طرق لم يمض على تعبيدها سوى أشهر قليلة، وتشققات تتسلل إلى جدران بنايات عمومية يفترض أنها شُيدت وفق معايير تقنية دقيقة.
هذا الواقع يجعل العديد من المواطنين يتساءلون عن جدوى الملايين التي تُرصد لمثل هذه المشاريع، في وقت تظهر فيه العيوب بشكل فجّ بعد فترة قصيرة من تدشينها، وكأن الأمر يتعلق بمنشآت مؤقتة لا يُراد لها أن تعمر طويلاً.
المفارقة أن هذه المشاريع تمر، نظرياً، عبر مساطر تقنية وقانونية صارمة، تبدأ بدفاتر تحملات دقيقة تحدد الشروط الإدارية والتقنية والمالية، وتنتهي بعمليات المراقبة والتتبع التي يفترض أن تقوم بها الجهات المختصة، غير أن ما يظهر على أرض الواقع يوحي بأن هذه الآليات، في كثير من الحالات، لا تتجاوز كونها إجراءات شكلية لا تمنع وقوع الاختلالات.
فعدد من الطرقات التي تم إنجازها حديثاً سرعان ما تحولت إلى مساحات مليئة بالحفر والتصدعات، بينما ظهرت على بعض البنايات العمومية علامات التآكل المبكر، ما يعزز الانطباع بأن معايير الجودة ليست دائماً في صدارة أولويات بعض المقاولات المنفذة للأشغال.
ويرى متتبعون للشأن المحلي أن هذه الوضعية لا يمكن فصلها عن ضعف المراقبة الصارمة خلال مراحل الإنجاز، وهو ما يفتح الباب أمام بعض الممارسات التي تفرغ دفاتر التحملات من مضمونها، وتجعل الجودة آخر ما يتم التفكير فيه في سلسلة تنفيذ المشاريع.
الأخطر من ذلك أن تكرار هذه الاختلالات أدى إلى نوع من التطبيع مع الرداءة، حيث أصبح كثير من المواطنين يتوقعون ظهور الأعطاب في أي مشروع جديد حتى قبل اكتمال أشغاله، بسبب تكرار نفس السيناريو في أكثر من مناسبة.
وبين طرق تتشقق سريعاً وبنايات تظهر عليها عيوب مبكرة، تتعالى أصوات محلية مطالبة بتشديد المراقبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة في ما يتعلق بالمقاولات التي ثبت تورطها في إنجاز مشاريع دون احترام المعايير التقنية المطلوبة.
كما يدعو متابعون إلى التفكير في آليات أكثر صرامة لمراقبة الصفقات العمومية، سواء من خلال تعزيز دور لجان التتبع والمراقبة التقنية، أو عبر تفعيل العقوبات القانونية في حق المقاولات التي يثبت تقصيرها أو تلاعبها في إنجاز الأشغال.
فالمشاريع العمومية، في نهاية المطاف، تُموَّل من المال العام الذي يساهم فيه المواطن عبر الضرائب، وهو ما يجعل ضمان الجودة واحترام المعايير التقنية مسؤولية جماعية لا تقبل التهاون.
وفي انتظار إجراءات أكثر صرامة، يبقى السؤال معلقاً في أذهان ساكنة الإقليم: هل ستظل مشاريع التنمية في سطات رهينة الرداءة والغش، أم أن مرحلة جديدة من المراقبة والمحاسبة ستضع حداً لهذه الظاهرة التي تستنزف المال العام وتقوض ثقة المواطنين في جدوى الاستثمار العمومي؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد