مجلس الدار البيضاء أمام دورة “مثقلة”.. مشاريع بملايين الدراهم وأسئلة كبرى حول الحكامة وترتيب الأولويات
هبة زووم – الدار البيضاء
تستعد جماعة الدار البيضاء لعقد دورة جديدة، يوم الثلاثاء 2 دجنبر 2025، يُتوقع أن تكون من الأكثر إثارة للجدل خلال السنة، بالنظر إلى حجم وتركيبة جدول الأعمال الذي يضم 35 نقطة، تتوزع بين التعمير ونزع الملكية، وتعديل الاتفاقيات، وتوسيع نفوذ شركات التنمية المحلية، إلى جانب قضايا مالية واجتماعية تتطلب بدورها نقاشاً معمقاً حول طرق التدبير ومدى احترام مبادئ الحكامة الجيدة.
التعمير في صدارة الدورة.. نزع ملكية بالجملة ومراجعات متكررة للقرارات
الجزء الأكبر من جدول الأعمال يتعلق بمجال التهيئة الحضرية، حيث ستتم مناقشة مشاريع تصاميم التهيئة لثلاث مقاطعات مركزية هي المعاريف، الصخور السوداء، وعين السبع.
ورغم أهمية هذه الخطوة في إعادة رسم الخريطة العمرانية للمدينة، إلا أن غياب أي حديث عن إشراك الساكنة أو عرض الدراسات الميدانية يبقى علامة استفهام بارزة، خاصة وأن الملفات المعروضة تهم تغييرات عميقة في البنية الحضرية.
وفي مقاطعة الحي الحسني، يواصل المجلس مسلسل نزع الملكيات عبر قرارات تشمل عقارات متعددة بمنطقة لساسفة، مخصصة لإنجاز مشاريع مختلفة بينها مركب رياضي ومساحات خضراء وتسوية وضعية دور الصفيح.
وتم تسجيل إلغاء ثلاثة مقررات سابقة مرتبطة بالموضوع وإعادة طرحها بصيغ جديدة، في خطوة توحي إما بارتباك في التخطيط أو بتغيرات في مراكز المصالح المؤثرة في هذه الملفات.
كما يشمل جدول الأعمال نزع ملكية أراضٍ جديدة في سيدي بليوط لإنجاز ساحة عمومية ومرآب تحت أرضي، إضافة إلى تمديد الطريق RP3020 بمقاطعة عين الشق نحو مدارة مكة، وهي مشاريع ضخمة لكن النقاش العمومي حول جدواها وتأثيرها على الساكنة ما يزال غائباً.
تنظيف الاتفاقيات من طرف واحد.. أسئلة بلا أجوبة
في ثلاثة ملفات متتالية، تتجه الجماعة إلى تعديل اتفاقيات قائمة عبر حذف الشركة المغربية للهندسة السياحية كشريك من مشاريع مهمة، من ضمنها ترميم المجازر القديمة، واقتناء حافلات سياحية، وتأهيل السوق المركزي.
هذا الحذف الجماعي لا يرافقه أي تفسير رسمي حول الأسباب، ما يفتح الباب أمام تكهنات متعددة: هل يتعلق الأمر بإخفاق في الالتزامات؟ أم بخلافات مالية؟ أم بإعادة تشكيل خارطة النفوذ داخل المدينة؟
شركات التنمية المحلية.. تكريس “حكومة ظل” جديدة للدار البيضاء
يتأكد من خلال جدول الأعمال أن شركات التنمية المحلية (SDL) أصبحت اللاعب المركزي في القرارات الكبرى للجماعة، إذ ستتكلف ببناء مراكز اجتماعية، وتأهيل الأسواق البلدية، وبناء مستشفى إقليمي بسيدي البرنوصي، وتهيئة الملاعب، ومواكبة تدبير حديقة الحيوانات، وحتى دراسة وضعية المنشآت الثقافية والرياضية.
هذا التوسع السريع في صلاحيات هذه الشركات يعزز الانطباع بأن المجلس المنتخب فقد دوره كفاعل تدبيري، مقابل منح سلطات واسعة لكيانات تقنية تعمل بمنطق المقاولة لا بمنطق خدمة الشأن العام، في غياب تقييم واضح لأدائها.
إلغاء مشاريع اجتماعية وثقافية في سيدي البرنوصي.. قرارات مفاجئة دون مبررات
ثلاثة مشاريع كانت مقررة في سيدي البرنوصي، من بينها مركز استقبال ومركز تجاري للحرفيين ومخيم حضري، تم إلغاؤها دفعة واحدة، ليتم استبدالها فقط بمشروع المركز الاستشفائي الإقليمي.
وعلى الرغم من الأهمية الاجتماعية للمؤسسة الصحية، إلا أن طريقة الإلغاء تطرح أسئلة حول منهجية التخطيط: هل كانت المشاريع السابقة غير مدروسة؟ أم أنها دخلت دائرة “إعادة الهيكلة” وفق أولويات غير معلنة؟
المال العام.. دعم وتمويلات وتعديلات ضريبية دون تقييم للأثر
الشق المالي من الدورة يضم بدوره نقاطاً حساسة، بينها تعديل القرار الجبائي لسنة 2018، وتوزيع الدعم على جمعيات الأعمال الاجتماعية، وبرمجة مبلغ 500 ألف درهم منحة من مؤسسة “بلومبرغ فيلاندور بيز” لتمويل برامج شبابية في مجال المناخ.
غير أن غياب معايير واضحة للتوزيع، وعدم تقديم تقارير تقييم، يجعل هذه القرارات أقرب إلى إجراءات شكلية لا يعرف المواطن أثرها الفعلي على التنمية المحلية.
وفي الأخير، يمكن أن راءة نقدية لجدول أعمال هذه الدورة تكشف أن الدار البيضاء تقف أمام محطة جديدة من القرارات الثقيلة، لكن الثقل الحقيقي يكمن في غياب النقاش العمومي، وتضخم دور شركات التنمية المحلية، واستمرار اتساع الهوة بين المجلس والساكنة.
فبين نزع الملكيات وإلغاء المشاريع وتعديل الاتفاقيات، يظل السؤال المركزي قائماً: هل تتحرك الجماعة وفق رؤية واضحة؟ أم أن المدينة تُدار بمنطق “اليوم بيومه” ووفق موازين مصالح لا يعرف المواطن عنها شيئاً؟