حسن غربي – الحسيمة
تسود حالة ترقب واسعة في إقليم الحسيمة منذ الإعلان عن تعيين العامل الجديد، في ظل آمال معلّقة على أن تشكل المرحلة المقبلة منعطفًا حقيقيًا في مواجهة اختلالات التعمير التي ظلت لسنوات طويلة عنوانًا بارزًا للفوضى والريع وتداخل المصالح.
فملف البناء غير المرخص لم يعد مجرد تجاوز إداري، بل تحوّل —وفق تعبير فعاليات محلية— إلى آلية مُمنهجة لإنتاج النفوذ وتكريس اقتصاد الظل داخل عدد من الجماعات، وسط صمت أو تساهل طال أمده.
إمزورن، بني ورياغل الغربية، أربعاء تاوريرت، كرامة، بني بشير، بني بوفراح، أسماء جماعات تُذكَر اليوم باعتبارها “نقاطًا سوداء” تتعايش فيها الإدارة مع ورش مفتوح للبناء العشوائي وحفر العبارات خارج أي إطار قانوني.
المتتبعون يؤكدون أن ما يجري على الأرض لا يمكن تفسيره إلا بثلاثة عوامل: ضعف المراقبة، غياب الجرأة الإدارية، أو وجود تساهل مقصود يفتح الباب أمام ممارسات تضرب القانون في العمق.
وبينما يجري الحديث عن مسؤوليات متشابكة، يذهب آخرون أبعد من ذلك، معتبرين أن بعض هذه الاختلالات “لم تكن لتستفحل لولا تغطية أو تواطؤ عناصر داخل الإدارة الترابية نفسها”، وهو ما يجعل رهان الإصلاح الحقيقي أكبر من مجرد قرارات معزولة.
تجربة الناظور لا تزال حاضرة بقوة في ذاكرة الرأي العام الجهوي، فقرارات العامل هناك خلال الأشهر الماضية – من إعفاءات وتوقيفات ومتابعات – أحدثت رجّة غير مسبوقة داخل الإدارة الترابية، ورسّخت قناعة بأن إرادة الإصلاح ليست مستحيلة حين يتوفر الحزم السياسي والإداري.
اليوم، يتساءل سكان الحسيمة: هل تمتلك السلطة الإقليمية الجديدة الشجاعة ذاتها؟ أم أن الحسابات المحلية ونفوذ بعض الشبكات ستُفرمل أي محاولة للتغيير؟
أصوات مدنية وحقوقية باتت تطالب، بصراحة غير مسبوقة، بفتح تحقيقات معمقة تشمل: مساطر منح تراخيص البناء خلال السنوات الأخيرة، حالات التغاضي عن مخالفات واضحة للعيان، مدى احترام شواهد رخص الهدم والترميم، مع استعمال العبارات والقنوات دون مراقبة.
هذه المطالب لا تأتي من فراغ؛ إذ تشير فعاليات جمعوية إلى أن البناء العشوائي لم يعد مجرد تشويه عمراني، بل يهدد سلامة المواطنين ويكبّد الدولة مستقبلاً كلفة مضاعفة لإعادة الهيكلة، فضلًا عن ضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين المستثمرين، وفتح الباب أمام “اقتصاديات موازية” تُنتج ثروة خارج القانون.
المرحلة المقبلة لن تكون سهلة. فنجاح العامل الجديد – كما يرى المتابعون – لن يتحقق إلا إذا تم تحصين الإدارة الترابية من التأثيرات المحلية والضغوط التي تتقاطع عندها مصالح انتخابية واقتصادية وعقارية.
الحزم المطلوب اليوم لا يعني اتخاذ قرارات انفعالية، بل بناء منظومة صلبة للمراقبة والمساءلة، تُعيد الثقة للمواطن وترد الاعتبار لسلطة القانون.
كما يتطلب الأمر إعادة توزيع المسؤوليات، وتفعيل الرقابة على القياد وأعوان السلطة، وربما الذهاب إلى أبعد من ذلك في حالة ثبوت التواطؤ أو التقصير.
عند مدخل كل نقاش حول التعمير في الحسيمة، يقف سؤال واحد يشغل الجميع: هل سيجرؤ العامل الجديد على كسر “الحلقة الصلبة” التي ظلت تحمي الفساد العمراني لسنوات؟ هل يمثل قدومه بداية مرحلة جديدة، تُطوى فيها صفحة التساهل ويتم فيها تطبيق القانون على الجميع دون استثناء؟ أم أن الإقليم يستعد لنسخة أخرى من الوعود المؤجّلة، حيث تستمر الأعطاب ذاتها، ويتواصل مسلسل الإفلات من العقاب بلا نهاية؟
الإجابة – حتى اللحظة – لا تزال مع وقف التنفيذ. لكن الشارع المحلي ينتظر، ويراقب، وقد لا يقبل هذه المرة بأقل من إصلاح جذري يضع حدًا لزمن الفوضى العمرانية.

تعليقات الزوار