هبة زووم – الرشيدية
لم يكن خطاب عزيز أخنوش في الرشيدية سوى نسخة جديدة من لغة الإنجازات التي لا تجد طريقها إلى أرض الواقع، خصوصاً عندما تُقدَّم داخل جهة تُعدّ من أفقر جهات المغرب، جهة يعرف كلّ من يزورها أن الفقر فيها ليس رقماً في تقرير، بل حياة يومية تُعاش بمرارة وغياب أفق.
الجولة العاشرة من “مسار الإنجازات” تحوّلت، بالنسبة لآلاف من سكان درعة تافيلالت، إلى عرض تواصلي فاخر أكثر منها محطة تقييم صادقة. فالرجل الذي يتحدث عن العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص لم يجرؤ على مغادرة الخيمة التي كلّفت ملايين السنتيمات، خيمة لم تُبَنَ لتُسمِع صوت المواطنين، بل لتُحجَب أصواتهم.
تم جمع الناس إليها حشراً – وفق أسلوب يعرفه المغاربة جيداً – ليصفّقوا لكلام لا يلامس واقعهم، ويستمعوا إلى خطاب لا يعكس وجعهم، بينما كانت أبواب الخيمة المُبرَّدة تفصل بين “المشهد الرسمي” وحرارة الفقر في الخارج.
كان أولى برئيس الحكومة أن يتخلّى عن هذا المسرح المُكلّف، وأن يخطو بضع خطوات فقط خارج فضاء العلاقات العامة، ليضع قدمه في أحياء الرشيدية وزاكورة وتنغير، ليرى عن قرب ما لم يرِده مستشاروه أن يراه: شباب بلا فرص، قرى تفتقر لأبسط شروط الحياة، مستشفيات شحيحة في الخدمات، وطرق تختصر المسافة بين المركز والهامش في كلمة واحدة: النسيان.
لو فعل ذلك، ولو أنصت بصدق، لكان أدرك أن حكومته لم تترك أثراً في هذه الجهة سوى المزيد من الإحباط، أما أن يقدّم خطاب “الفتح المبين” وسط حشد تم تجميعه ضحى، فهذه وصفة مثالية لتعميق الهوة بين الحزب والمواطن، ولتغذية المزيد من النفور من الوجوه السياسية التي تؤثّث المشهد المحلي، والتي تعرف الساكنة جيداً “إنجازاتها” التي لم يأتِها باطل من فوقها أو تحتها، لأنها ببساطة… غير موجودة.
في جهة تُصارع من أجل الحق في الماء والشغل والصحة، يصبح الحديث عن الإنجازات رفاهية زائدة، بل استفزازاً لكرامة الناس، وأخطر ما في الأمر أن هذا النوع من العروض التواصلية أصبح بديلاً عن الفعل الحكومي، حيث تُستبدل الحلول بديكور، والمناصب ببلاغات، والقرب الحقيقي بصور منقّحة وفِرَق علاقات عامة تجتهد في صناعة جمهور “مصنوع”.
إن خلاصة ما حدث في الرشيدية ليست أن أخنوش قدّم إنجازات، ولا أن الجولة العاشرة أضافت شيئاً لسكان الجهة، الخلاصة واضحة: كلما توسّعت المسافة بين الخطاب والواقع، كلما اتّسع الشرخ بين السلطة والناس، وكلما ارتفعت كلفة التنظيم، كلما انخفض منسوب الثقة، وهذا ما تعيه الساكنة اليوم أكثر من أي وقت مضى.
تعليقات الزوار