هبة زووم – أزيلال
في كل موسم شتاء، ومع أولى موجات البرد القارس، تعود إلى الواجهة حملات التحسيس بمخاطر الاختناق بغاز أحادي أكسيد الكربون، وكأن ساكنة المناطق الجبلية، ومن ضمنها مدينة دمنات، تفتقر إلى الوعي بخطورة وسائل التدفئة التقليدية، أو تجهل قواعد السلامة داخل منازلها.
غير أن الواقع الميداني يفرض طرح سؤال جوهري: هل مشكل دمنات هو غياب التحسيس، أم غياب البدائل الفعلية التي تقي الساكنة زمهرير البرد وقساوة الظروف المناخية؟
السلطات المحلية بباشوية دمنات أعلنت، في الأيام الأخيرة، عن إطلاق برنامج تحسيسي لمواجهة حوادث الاختناق بالغاز، مع انطلاقة من السوق الأسبوعي، في مقاربة استباقية تُحسب لها من حيث الشكل. غير أن هذه المبادرة، على أهميتها الظرفية، تظل قاصرة عن ملامسة جوهر الإشكال الذي تعانيه ساكنة المدينة ومحيطها القروي، خاصة خلال هذه الفترة التي تعرف انخفاضاً حاداً في درجات الحرارة، وتساقطات ثلجية متكررة، وعزلة جزئية لبعض الدواوير والمناطق المجاورة.
ساكنة دمنات لا تلجأ إلى وسائل تدفئة خطيرة عن جهل أو استهتار، بل عن اضطرار، فغياب بدائل آمنة وميسورة الكلفة، وضعف برامج الدعم الاجتماعي الموجهة للتدفئة، وارتفاع أسعار الكهرباء والغاز، كلها عوامل تدفع الأسر، خاصة الهشة منها، إلى استعمال وسائل تقليدية محفوفة بالمخاطر. وفي هذا السياق، يصبح التحسيس وحده أشبه بتبرير غير مباشر لواقع اجتماعي صعب، بدل أن يكون مدخلاً حقيقياً لمعالجته.
إن الحديث عن الوقاية من الاختناق يجب أن يُواكَب بسياسات عمومية واضحة توفر حلولاً ملموسة، من قبيل دعم وسائل التدفئة الآمنة، وتحسين شروط السكن والعزل الحراري، وربط المناطق الهشة بشبكات طاقة أقل خطورة، إلى جانب تعزيز برامج محاربة الفقر الطاقي الذي يشكل أحد الأسباب الخفية لهذه المآسي المتكررة.
كما أن خصوصية دمنات، باعتبارها منطقة قريبة من المرتفعات وتتعرض لموجات برد قاسية وتساقطات ثلجية، تفرض مقاربة مختلفة، تراعي الطابع الجغرافي والمناخي للمنطقة، بدل استنساخ حملات تحسيسية موسمية سرعان ما تخبو بانتهاء فصل الشتاء، دون أثر ملموس على حياة المواطنين.
إن ساكنة دمنات في حاجة إلى رؤية تنموية شاملة تحصن كرامتها قبل أجسادها، وتنتقل من منطق الوعظ والتحذير إلى منطق الحلول والبدائل. فالحماية الحقيقية لا تتحقق بالملصقات والمحاضرات فقط، بل بتوفير شروط العيش الكريم، وضمان حق المواطنين في الدفء والأمان، خاصة في مناطق تؤدي فيها قسوة الطبيعة ثمنها الفئات الأكثر هشاشة.
وفي انتظار ذلك، ستظل حملات التحسيس، مهما حسنت نواياها، مجرد إجراءات تجميلية لا تعالج أصل الداء، ما دام البرد أقوى من النصائح، والحاجة أقسى من التحذيرات.
تعليقات الزوار