هبة زووم – أبو العلا العطاوي
رغم التغييرات الإدارية التي عرفها إقليم الرشيدية، وقدوم والي جديد علّقت عليه فئات واسعة من الساكنة آمالًا كبيرة، لا تزال تجاوزات قسم الجماعات المحلية تفرض نفسها كعنوان ثابت للاستمرارية بدل القطيعة، وكأن الزمن الإداري بالإقليم يدور في حلقة مغلقة لا تعترف بالمساءلة ولا بتبدّل الوجوه.
ما يثير الاستغراب والقلق في آن واحد، هو استمرار رئيس قسم الجماعات المحلية في منصبه، رغم مظاهر الفساد المستشري بالإقليم، والتي صارت حديث الشارع والأسواق والمقاهي والأزقة، يُتداول فيها الأمر علانية، كما لو كان واقعًا مسلّمًا به لا يجرؤ أحد على الاقتراب منه.
وتشير مصادر مطلعة إلى حماية مكشوفة لبعض المستشارين المتورطين في حالات تنازع المصالح، في مشهد يُعيد إنتاج منطق “الحصانة غير المعلنة”، حيث تُدار المصالح العمومية بمنطق العلاقات الشخصية بدل القانون، وبميزان القرب بدل النزاهة.
في الرشيدية، لا يبدو أن الثروة تُنتَج، بل تُقسَّم. تُقسَّم كما تُقسَّم كعكة عيد ميلاد داخل حفل مغلق لا يُدعى إليه سوى “أهل الثقة”، وتُرفع فيه كؤوس احتفالًا بنجاح عملية توزيع جديدة للغنيمة.
كل شيء يتم خلف الأبواب الموصدة، بدقة متناهية، بلا أي مجال للخطأ أو الصدفة: هذا نال منصبًا، وذاك حاز مشروعًا، وثالث فُتحت له أبواب الامتيازات بلا سقف، حتى صار الاسم وحده مفتاحًا لكل شيء.
وفي الخارج، حيث يعيش ملايين المغاربة، يبحث الناس عن فرصة صغيرة في عالم العدالة الاجتماعية، فلا يجدون سوى أبواب موصدة وحواجز غير مرئية، لكن أثرها قاتل.
المفارقة الكبرى أن نفس الوجوه التي تُتقن فن اقتسام الخيرات، تطل علينا من شرفات قصورها لتلقينا دروسًا أخلاقية عن أن “المال لا يصنع السعادة”، وكأنهم قضوا أعمارهم في أكواخ الصفيح قبل الوصول إلى هذا “الاكتشاف الفلسفي العميق”.
يكررون العبارة بابتسامات هادئة، وهم يسترخون على أرائك وثيرة داخل منتجعات مغلقة، حيث تُقدَّم لهم السعادة على صينية فضية، وتُصرف على رفاههم ميزانيات تكفي لصيانة مستشفيات كاملة.
هذا الواقع يغذي شعورًا راسخًا لدى الساكنة بأن التغيير الموعود ظل حبيس الشعارات، وأن الصرامة الإدارية والنزاهة المعلنة لم تتجاوز عتبة الخطاب. بل أكثر من ذلك، صار يُنظر إليه كنوع من “تنمية التخلف”، حيث الحلول معروفة والتشخيص متوفر، لكن الإرادة السياسية تغيب، أو تُعطَّل بفعل حسابات غير معلنة.
وتبرز جماعة الرشيدية كنموذج صارخ لهذا الاختلال، حيث يرى متتبعون أن ما يحدث فيها يؤكد أن الوالي الحالي يسير، على الأقل في هذا الملف، على نفس النهج الذي ساد في عهد سلفه، تحت ضغط توازنات خفية لا تخفى على أحد، ما يعزز الإحساس بأن القرار المحلي لم يتحرر بعد من نفوذ اللوبيات والضغوط الإدارية.
إن ما يعيشه إقليم الرشيدية اليوم ليس وليد الصدفة، ولا نتيجة ظرف طارئ، بل حصيلة تراكمات طويلة من سوء التدبير، ورداءة الممارسة الإدارية، وغياب نخب قادرة على تقديم رؤية واضحة للفعل التنموي، في ظل سياسة غير معلنة عنوانها: “أعطيني… نغضّ عليك”.
والسؤال الذي يبقى مطروحًا بقوة: إلى متى سيظل الحياد الإداري ذريعة لتمديد عمر الاختلال؟ ومتى ستتحرر ساكنة الرشيدية من منطق إعادة تدوير نفس الأدوات والأدوار والنتائج؟
تعليقات الزوار