هبة زووم – أبو العلا العطاوي
لم تعد أزمة الرشيدية مرتبطة بتعاقب الولاة أو بتغيير الواجهات الإدارية، بقدر ما صارت مرتبطة بجسم إداري متحجر، عمر طويلاً داخل دواليب عمالة الإقليم، ونجح عبر الزمن في تحويل نفسه إلى سلطة فعلية موازية، تُمسك بخيوط القرار، وتتحكم في مساراته، وتعيد إنتاج نفس الخريطة كلما تغيّر الرأس.
هؤلاء الذين يُطلق عليهم محليًا وصف “مسامير الميدة”، ليسوا مجرد موظفين متمرسين، بل شبكة نفوذ إدارية رسّخت منطق “الدولة داخل الدولة”، ونجحت في جعل نفسها شرطًا غير معلن لتسيير الإقليم، وكأن الرشيدية لا يمكن أن تتحرك أو تتنفس دون المرور عبر قنواتهم، أو الخضوع لتوازناتهم، أو مراعاة حساباتهم الضيقة.
الخطير في الأمر أن هذه الفئة لم تكتفِ بالاستمرارية، بل تطورت أدواتها، وأتقنت أخطر سلاح في الإدارة: التقرير.
تقارير مغلوطة، مسمومة، مُفصَّلة على مقاس اللوبيات، يُقلب فيها ميزان القيم رأسًا على عقب؛ فيصبح الطالح صالحًا، والصالح طالحًا، وتُصنَع السمعة وتُدفن الكفاءة، ليس بناءً على الأداء أو النزاهة، بل وفق منطق الولاء والخضوع والدوران داخل الفلك ذاته.
بهذه التقارير، يتم تحييد الوالي، أيًّا كان اسمه أو رصيده، وتحويله إلى متلقٍّ لمعطيات منتقاة بعناية، لا تعكس الواقع، بل تُخفيه، فيجد نفسه، من حيث لا يدري، يوقّع قرارات ناقصة، أو يبارك اختيارات فاشلة، أو يغض الطرف عن اختلالات جسيمة، لأن الصورة التي رُسمت له داخل مكتبه الزجاجي لا علاقة لها بما يجري في الميدان.
والأدهى أن هذه الأسماء، التي عمّرت لأكثر من عقدين في مواقع حساسة داخل عمالة الرشيدية، باتت تتصرف وكأنها “قدر إداري” لا يُمس، وكأن الدولة عاجزة عن إنتاج بدائل، في مدينة عُرفت تاريخيًا بخصوبتها البشرية، وبأطرها التي ملأت الفضاء الوطني والدولي، من طنجة إلى الكويرة، ومن واشنطن إلى ميلبورن بأستراليا.
كيف لمدينة أنجبت كفاءات في الدبلوماسية، والإدارة، والاقتصاد، والجامعة، أن تُصوَّر اليوم وكأنها عقيمة إداريًا، لا تُنجب إلا أسماء “تتقن اللعبة”، وتحسن التموقع، وتدور في نفس المدار؟
كيف يُقنعون الرأي العام بأن الرشيدية لا يمكن أن تُدار إلا بنفس الوجوه، ونفس العقليات، ونفس الأساليب التي أكلت الدرع وأفسدت الزرع؟
إن استمرار هذا الوضع لا يسيء فقط إلى صورة الإدارة الترابية، بل ينسف أي حديث عن الجهوية المتقدمة، أو الحكامة، أو ربط المسؤولية بالمحاسبة.
لأن جوهر المشكلة لم يعد في غياب النصوص أو الصلاحيات، بل في تغوّل أشخاص حوّلوا الإدارة إلى غنيمة، والقرار إلى أداة تصفية، والتقارير إلى سلاح ابتزاز ناعم.
وهنا بالضبط، يقف الوالي سعيد زنيبر أمام امتحان حقيقي، لا يقاس بالبلاغات ولا بالزيارات، بل بقرار واحد واضح: إما وضع حد نهائي لتغوّل مسامير الميدة، عبر إبعاد أسماء بعينها عمّرت طويلاً وأصبحت جزءًا من المشكل، وإما القبول، عن قصد أو عن غير قصد، بإعادة إنتاج نفس المنظومة التي أفشلت من سبقوه.
الحياد في لحظة الاختلال ليس فضيلة، بل تواطؤ صامت، والتغيير لا يُقاس بالنوايا، بل بكسر شبكات النفوذ، وفتح المجال أمام كفاءات حقيقية، وإعادة الاعتبار للإدارة كخدمة عمومية لا كأداة تحكم.
فهل يختار الوالي زنيبر أن يُسجَّل اسمه كمن كسر الحلقة؟ أم يُضاف إلى لائحة من مرّوا من هنا.. وتركوا “مسامير الميدة” تحكم وحدها؟
تعليقات الزوار