الحسيمة: دواوير بني اكميل عزلة مزمنة وعطش قاتل في عز الشتاء وصمت رسمي مريب

هبة زووم – حسن لعشير
في قلب جبال بني اكميل، حيث تتقاطع الوديان الوعرة مع منحدرات قاسية، تعيش دواوير أزنونتيلي، تيزي، جابر، وإمشحوذن واقعًا لا يليق بزمن الشعارات التنموية ولا بخطابات العدالة المجالية.
هنا، لا تبدو التنمية سوى وعد مؤجل، بينما العزلة والعطش والفقر حقائق يومية تُنهك الساكنة وتدفعها إلى حافة اليأس.
مزارع بورية قاحلة، أشجار لوز ذابلة، وحقول صبار دمرتها الحشرة القرمزية، فيما الفرشة المائية تلفظ أنفاسها الأخيرة، والماشية تحتضر في صمت.
مشاهد تختصر مأساة دواوير تُركت لمصيرها، في غياب أي تدخل جدي من المنتخبين أو ممثلي الساكنة داخل المؤسسات المنتخبة، وكأن هذه الجبال خارج خريطة الاهتمام العمومي.
الأخطر من ذلك، أن معاناة بني اكميل ليست وليدة الطبيعة وحدها، بل نتيجة فشل مقاربات تنموية عمياء تُساوي بين السهل والجبل، وتتعامل مع الخصوصيات المجالية بمنطق النسخ واللصق. فالدواوير الجبلية لا تزال محرومة من أبسط شروط العيش الكريم، في وقت تتكاثر فيه الشعارات وتغيب فيه النتائج.
ساكنة بني اكميل، التي تواصلت مع جريدة هبة زووم، عبّرت بمرارة عن قسوة العيش وضعف وسائل الاستقرار، مؤكدة أن الكارثة الكبرى تكمن في غياب الماء الصالح للشرب، عطش في عز الشتاء، في منطقة يُفترض أن تكون خزانًا طبيعيًا للمياه، لكنه paradox صار عنوانًا لسوء التدبير وغياب الرؤية.
المفارقة الصادمة أن الزائر للمنطقة يُفاجأ بجمال طبيعي أخّاذ، ومؤهلات بيئية وبشرية قادرة على صنع الفارق وانتشال المئات من دائرة الفقر، غير أن هذه الإمكانات تُهدر بفعل سياسات مرتجلة، وحلول ترقيعية، وأوراش تُسوَّق إعلاميًا أكثر مما تُنجز ميدانيًا.
في الحد الأدنى، تفتقد هذه الدواوير إلى مركز صحي، فيما يوجد مستوصف واحد بمقر القيادة والجماعة (سبت بني اكميل)، بعيد كل البعد عن الدواوير النائية.
كيف تُعالج النساء الحوامل؟ كيف يُنقل المرضى؟ الجواب مأساوي: على ظهور الدواب، لمسافات تتجاوز ستة كيلومترات، عبر سفوح الجبال والأودية، للوصول إلى مستوصف يعاني هو نفسه من الهشاشة والبؤس.
أما المشاريع التي يتباهى بها بعض المنتخبين، وعلى رأسهم النائب الثاني للرئيس، خاصة في تدوينته المؤرخة بـ1 مارس 2024، فلا تعدو أن تكون خطابًا للاستهلاك ونغمات تُعزف على وتر الوهم.
الواقع الميداني يفضح الزيف: فيضانات واد لعشيرن اجتثت الأشجار ودمّرت الحقول، بسبب غياب سياج واقٍ على ضفاف الوادي، بينما “المشاريع المعلنة” لا وجود لها إلا في الخيال والتدوينات.
إن ما تعيشه دواوير بني اكميل اليوم هو نتيجة مباشرة لغياب تصور تنموي شامل، يراعي خصوصية الجبل، ويُحوّل الإمكانات الطبيعية والبشرية إلى رافعة حقيقية للتنمية، بدل تركها رهينة الإهمال والتهميش.
فإلى متى سيظل سكان هذه الدواوير يدفعون ثمن فشل السياسات؟ وإلى متى سيبقى العطش والعزلة قدرًا مفروضًا على أبناء منطقة غنية بكل شيء، إلا بالإنصاف؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد