هبة زووم – علال الصحراوي
في مراكش، لا تحتاج دائمًا إلى فكرة مبتكرة، ولا إلى مشروع طموح، ولا حتى إلى كفاءة استثنائية لتصعد السلم الاقتصادي.
أحيانًا يكفي أن تكون من “الدائرة الصحيحة”، أو أن تحمل لقبًا مألوفًا في دفاتر النفوذ، أو أن تتقن لغة الولاء أكثر من لغة السوق.
اقتصاد الريع هنا لم يعد مجرد اختلال اقتصادي عابر، بل أصبح نمط تدبير غير معلن، له تقاليده، وله طقوسه، وله “خريجو مدارس” يعرفون جيدًا من أين تؤكل الكتف، ومن أين تُوقّع الصفقات.
الصغار معروفون: موالون من الصفوف الخلفية، ينالون نصيبهم من الفتات، فقط لإدامة المشهد وإضفاء طابع “التعدد”، وجودهم ضروري للديكور الديمقراطي، لا أكثر.
أما الكبار، فقصتهم تُروى همسًا: ملاك أراضٍ شاسعة، رخص نادرة، امتيازات تُمنح بأثمان رمزية، وثروات نبتت فجأة في تربة الامتياز، لا في مناخ المنافسة.
هؤلاء لا يظهرون كثيرًا أمام العدسات، لكن أسماءهم محفورة في دفاتر الصفقات كما تُحفر الأسماء على الأضرحة القديمة: ثابتة، محترمة، وغير قابلة للمحو.
اقتصاد الريع في مراكش يشبه شجرة زيتون معمّرة؛ جذورها تمتد إلى عقود مضت، وفروعها تثمر فقط داخل “المحافظ العائلية”.
الأخطر أن الامتياز لم يعد ظرفيًا، بل يُدوَّر عبر الأجيال، كل جيل يسلّم مفاتيح النفوذ للجيل الذي يليه، في دورة اقتصادية مغلقة لا تسمح بدخول الغرباء، إلا إذا حملوا بطاقة تعريف ممهورة بختم القرابة أو الولاء أو صداقة المدرسة الخاصة.
وحين يُفتح النقاش العمومي حول محاربة اقتصاد الريع، تُلقى الخطب الرنانة، وتُرفع الشعارات الكبيرة، ثم يُغلق الملف على مائدة عشاء أنيقة تجمع نفس الوجوه التي يُفترض محاسبتها، مشهد يشبه طبيبًا يوبّخ مريضه على التدخين، وهو ينفث دخان سيجار فاخر.
اقتصاد الريع لا ينهب المال العام فقط، بل يقتل روح المنافسة، فكيف لشاب مجتهد، أو لمقاولة ناشئة، أن تنافس “صفقة مضمونة” أو “رخصة احتكار” أو “أرضًا بثمن رمزي” حصل عليها آخر فقط لأنه ابن فلان أو صهر علان؟
وهكذا، يبقى السؤال معلقًا في سماء مراكش: من المستفيد الحقيقي؟ الجواب بسيط ومملّ في آن واحد: نفس الوجوه، نفس الأسماء، نفس العائلات، يتغير لون الشعر، وتتبدل الموضة، لكن حسابات البنوك تعرف اتجاهًا واحدًا.. الصعود.
في النهاية، اقتصاد الريع ليس أزمة مالية فقط، بل مرآة تعكس نموذج تدبير يوزّع الفرص كأنها إرث عائلي، لا كميدان تنافس شريف.
ومن أراد أن يرى كيف تُدار هذه الدورة، فليفتح أرشيف الصفقات والرخص، سيجده أقرب إلى شجرة نسب منه إلى وثائق إدارة عمومية.
تعليقات الزوار