هبة زووم – علال الصحراوي
لم يكن انهيار جزء من عمارة من خمسة طوابق في طور البناء بحي عين مزوار بمقاطعة المنارة، صباح اليوم فاتح يناير، مجرد حادث عرضي يمكن اختزاله في “تأثير التساقطات المطرية”، بل هو حلقة جديدة في سلسلة أعطاب عمرانية باتت تُقلق ساكنة مراكش، وتدق ناقوس الخطر حول واقع مراقبة البناء وجودة الأشغال، وحدود المحاسبة السياسية في مدينة تعرف توسعًا عمرانيا متسارعًا يفوق منسوب اليقظة المؤسساتية.
الواقعة، التي استنفرت السلطات المحلية والمصالح التقنية، أعادت إلى الواجهة سؤالًا قديمًا جديدًا: كيف لعمارة في طور البناء، يفترض أنها خاضعة لأحدث معايير السلامة والمراقبة، أن تنهار مع أول اختبار مناخي عادي؟ ومن يتحمل المسؤولية حين يتحول الورش العمراني إلى قنبلة موقوتة وسط الأحياء السكنية؟
صحيح أن التحقيقات التقنية وحدها كفيلة بتحديد المسؤوليات القانونية المباشرة، من مقاول ومهندس ومكتب دراسات ومراقبة، لكن ما لا يمكن القفز عليه هو المسؤولية المعنوية والسياسية، التي لا تسقط بالتقادم ولا تُبرّأ ببلاغات تقنية لاحقة.
فمراكش، خلال السنوات الأخيرة، عاشت على إيقاع طفرة عمرانية غير مسبوقة، رافقتها شكاوى متكررة حول “تساهل مريب” في منح الرخص، وضعف المراقبة الميدانية، وعودة قوية للوبيات العقار، التي اشتغلت في مناخ من الحماية غير المفهومة، حيث يُنجز الكثير بسرعة، ويُسَوَّق أكثر مما يُراقَب.
وفي هذا السياق، يبرز اسم فاطمة الزهراء المنصوري، ليس من باب الاستهداف، بل من باب المسؤولية المرتبطة بالموقع، فالمنصوري ليست فاعلًا عابرًا في المشهد العمراني، بل عمدة لمدينة مراكش، ووزيرة للإسكان والتعمير وإعداد التراب الوطني، أي أنها تجمع بين القرار المحلي والتأطير الوطني.
وعليه، فإن ما يقع اليوم من انهيارات واختلالات، لا يمكن فصله عن مرحلة عرفت، بشهادة مهنيين وفاعلين مدنيين، تراخيًا في ضبط القطاع، وغضًّا للطرف عن ممارسات مشبوهة، وتمددًا للوبيات العقار على حساب شروط السلامة وجودة البناء.
المسؤولية هنا ليست بالضرورة جنائية، لكنها مسؤولية أخلاقية وسياسية، تفرض على من أشرفوا على السياسات العمومية في المجال أن يخرجوا بتوضيحات، لا أن يلوذوا بالصمت، وكأن ما يحدث لا يعنيهم.
انهيار عمارة في طور البناء، اليوم، اليوم بلا ضحايا، لكن ماذا عن الغد؟ ماذا عن عمارات مأهولة، ومدارس، ومرافق عمومية، أُنجزت بنفس المنطق، وتحت نفس المناخ التدبيري؟ وهل يُعقل أن تظل السلامة رهينة “حسن الطقس” بدل صرامة المراقبة؟
إن ما جرى بعين مزوار ليس حادثًا معزولًا، بل عرض لمرض عمراني صامت، يتمثل في تقديم منطق الربح والسرعة على حساب الجودة، وفي اختزال دور الدولة والجماعة في التوقيع بدل التتبع، وفي تحويل لجان المراقبة إلى إجراء شكلي لا يشتغل إلا بعد الكارثة.
العمارات لا تنهار فجأة، بل تنهار حين يُهمل القانون، وتُفرغ المراقبة من معناها، وتُحمى شبكات المصالح على حساب الصالح العام، وما وقع في مراكش، اليوم، هو رسالة إنذار واضحة: الكارثة لا تأتي من السماء، بل تُصنع على الأرض، بالصمت، وبالتواطؤ، وبالتهرب من المسؤولية.
ويبقى السؤال معلقًا: هل ستتم مساءلة حقيقية تعيد الاعتبار لسلامة المواطن؟ أم سيُطوى الملف بتقرير تقني، في انتظار انهيار آخر، في حي آخر؟
تعليقات الزوار