السكن الوظيفي والإداري: حين يتحول الامتياز المؤقت إلى ريع صامت بالرشيدية

هبة زووم – الرشيدية
لم يعد ملف السكن الوظيفي والإداري مجرد تفصيل تقني في تدبير العقار العمومي، ولا قضية إدارية معزولة، بل أضحى مرآة فاضحة لاختلالات أعمق في منظومة الحكامة واحترام القانون داخل عدد من الإدارات العمومية، خاصة بإقليم الرشيدية، حيث تحوّل هذا السكن من أداة لخدمة المرفق العام إلى ريع صامت يُستغل خارج أي سند قانوني، وفي صمت يثير أكثر من علامة استفهام.
فكثيرة هي التساؤلات التي تفرض نفسها بإلحاح: من له الأحقية الفعلية في السكن الوظيفي؟ ومتى تنتهي حدود استغلاله؟ ولماذا يستمر احتلاله من طرف أشخاص زالت عنهم الصفة الوظيفية منذ سنوات، دون أي تحرك إداري حازم؟
الواقع الميداني يكشف أن عدداً من الإدارات بإقليم الرشيدية لا تزال تغض الطرف عن استمرار احتلال مساكن وظيفية من طرف مسؤولين وموظفين أُحيلوا على التقاعد، أو انتهت مهامهم، بل إن بعضهم يتوفر على سكن خاص إضافي، يقوم بكرائه والاستفادة من عائداته، في وقت يحتفظ فيه بالسكن الوظيفي دون وجه حق.
الأدهى من ذلك، أن حالات أخرى أفرغت هذا السكن من أي مضمون وظيفي، بعدما جرى توريثه للأبناء، وكأنه ملك خاص لا علاقة له بالمال العام، فيما حصل بعض الأشخاص على هذه المساكن رغم عدم توفرهم على أي علاقة قانونية بالإدارة، كما هو الحال بإحدى المساكن التابعة للمكتب الجهوي للاستثمار الفلاحي، حيث استفاد خازن سابق مكلف بالأداء من سكن بحي الأطر دون سند مشروع، رغم انتهاء مهامه داخل المؤسسة منذ سنوات.
وتتعدد الأمثلة بتعدد الإدارات والمصالح، في مشهد يعكس بوضوح تجذر ثقافة الريع الإداري داخل بعض دواليب الدولة، حيث يتحول السكن الوظيفي من وسيلة لضمان نجاعة المرفق العمومي إلى امتياز شخصي دائم، يُستغل ويُورَّث في ظل صمت الإدارة، وغياب أي مساءلة حقيقية.
وفي مقابل هذا العبث، يُسجَّل أن عدداً من رجال السلطة الجدد المعينين بإقليم الرشيدية يُضطرون إلى البحث عن مساكن للكراء، تتحمل الدولة تكاليفها، في مفارقة صارخة مع المنطق السليم الذي يقتضي توفير سكن وظيفي جاهز لمزاولة مهامهم، بدل هدر المال العام في كراء يمكن تفاديه.
إن القضية اليوم لم تعد مجرد نزاع إداري أو خلل في التدبير، بل تمس بشكل مباشر صورة الدولة ومصداقية مؤسساتها في تطبيق مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، خصوصاً وأن استمرار هذا الوضع يتسبب في نزيف حقيقي لموارد الدولة، ويكرس منطق “الأمر الواقع” بدل سيادة القانون.
وفي هذا السياق، حسمت محكمة النقض النقاش القانوني حول وضعية السكن الوظيفي، مؤكدة في اجتهادات واضحة أن أي شغل لهذا السكن خارج الإطار الوظيفي المشروع يُعد وضعاً غير قانوني، باعتبار أن السكن الوظيفي ليس حقاً مكتسباً ولا امتيازاً دائماً، بل وسيلة مرتبطة حصرياً بمهام وظيفة محددة، تنتهي بمجرد زوال الصفة الوظيفية، سواء بسبب التقاعد أو الإعفاء.
واعتبرت المحكمة أن استمرار احتلال هذا السكن دون سند قانوني يندرج ضمن حالات الاعتداء المادي الظاهر، الذي يخضع لمنطق القانون لا لمنطق الأعراف أو التواطؤ الإداري.
وفي السياق ذاته، تكشف معطيات رسمية أن الوكالة القضائية للمملكة قامت بإفراغ 206 مساكن وظيفية، واستصدرت 378 حكماً قضائياً بالإفراغ خلال سنة 2024 في مواجهة المحتلين غير الشرعيين عبر مختلف ربوع المملكة، في خطوة تروم حماية الملك العمومي وترشيد تدبير الرصيد العقاري للدولة.
غير أن السؤال الجوهري يظل معلقاً: متى يُفتح هذا الملف بإقليم الرشيدية بجرأة ومسؤولية؟ ومتى ينتهي زمن الريع الصامت داخل الإدارة؟ ومتى يُعاد للسكن الوظيفي معناه الحقيقي: خدمة المرفق العام لا خدمة المصالح الخاصة؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد