هبة زووم – أحمد الفيلالي
في هذا الزمن الغريب، لم تعد الكفاءة ولا التجربة ولا الإنجازات معيارًا لصناعة “الفاعلين”، بل أصبحت الصورة هي جواز العبور الوحيد إلى دائرة الضوء.
صورة واحدة إلى جانب عامل إقليم الجديدة، صالح دحا، كفيلة – في نظر البعض – بتحويل وجوه باهتة بلا رصيد إلى “نخب” افتراضية، تتحدث بثقة مفرطة، وكأنها شاركت في قمم دولية أو قادت إصلاحات كبرى.
هكذا نشأت، بهدوء مثير للقلق، ظاهرة جديدة عنوانها: النصب باسم القرب من السلطة، أشخاص لا يُعرف لهم أثر ميداني ولا حضور فعلي في قضايا الإقليم، لكنهم يتقنون الوقوف في المكان المناسب، بالزاوية المناسبة، والابتسامة المحسوبة، مع مسؤول في موقع القرار.
صورة تُنشر، تُكبَّر، تُعاد مشاركتها، وتُرفق بجمل من قبيل: “تشرفت بلقاء رجل الميدان” أو “لقاء مثمر مع رمز من رموز الدولة”.
والمفارقة أن هذه “اللقاءات المثمرة” لا تُثمر شيئًا على أرض الواقع، سوى مزيد من الوهم، ومراكمة الإعجابات، وخلق انطباع زائف لدى الرأي العام بأن أصحاب الصور “فاعلون” و”مؤثرون”، بينما لا أثر لهم في ملفات التشغيل، ولا في فك العزلة، ولا في معالجة اختلالات الإدارة أو الاستثمار.
لقد تحولت بعض الفضاءات العمومية، ومعها المناسبات الرسمية، إلى خلفيات فوتوغرافية، لا إلى فضاءات عمل أو نقاش، وأصبح “الانبطاح المصوَّر” سلّمًا اجتماعيا أسرع من أي مسار نضالي أو مهني، فالرسالة ليست: “أنا أشتغل”، بل: “انظروا مع من أقف”.
في هذا المشهد العبثي، يُقاس التأثير بعدد “اللايكات”، وتُختزل السياسة في نصف بدلة رسمية داخل إطار صورة، بينما المواطن الحقيقي – الغارق في همومه اليومية – لا يملك ترف التصوير، فهو عالق في طابور الإدارة، أو ينتظر توقيعًا، أو يبحث عن ختم يفتح له باب رزق، لا عن زاوية تصوير.
المواطن بالجديدة اليوم لا يحتاج صورة، بل قرارًا، ولا يحتاج منشورًا، بل عدالة إدارية، كما لا يحتاج “فاعلين فايسبوكيين”، بل مؤسسات تشتغل بدل أن تُمثّل.
وأمام هذا الواقع، يصبح من المشروع طرح سؤال جوهري: هل نحن أمام أزمة تواصل؟ أم أمام تفريغ العمل العام من مضمونه، وتحويله إلى مسرح كبير، تُمنح فيه البطولة لمن يُجيد التملق، لا لمن يتحمل المسؤولية؟
وفي الختام، رسالة إلى “المناضلين الافتراضيين”: ارتاحوا.. لقد التقطتم ما يكفي من الصور، أما المصداقية، فهي لا تُصوَّر، ولا تُفلتر، ولا تُنشر، بل تُبنى بالفعل، أو لا تكون.
تعليقات الزوار