هبة زووم – أزيلال
في بلدة أفورار الصغيرة بإقليم أزيلال، لا تحتاج إلى خريطة ولا إلى مجهود استقصائي معقد لاكتشاف أعطاب التدبير المحلي، يكفي أن تمطر السماء مطرًا خفيفًا، حتى يتحول الشارع الوحيد تقريبًا إلى بركة مائية، وكأننا أمام مشهد تجريبي لاختبار فشل البنية التحتية، لا طريق أُنجز لخدمة المواطنين.
شارع واحد، ومع ذلك يعجز عن الصمود أمام أول اختبار طبيعي، لا فيضانات، لا عواصف استثنائية، لا “ظروف قاهرة”، فقط مطر عادي، كافٍ ليكشف أن الطريق صُمّم للفرجة أكثر مما صُمّم للاستعمال، وأن التصريف لم يكن أولوية، بل تفصيلاً مؤجلاً أو بندًا سقط سهوًا أو عمدًا.
وهنا يبدأ السؤال الذي حيّر الجميع، من المواطنين إلى المراقبين: أين يكمن الخلل؟ هل في شارع ينهار عند أول قطرة؟ أم في مهندس تعامل مع المطر كحدث نادر في منطقة جبلية معروفة بتقلباتها المناخية؟ أم في منتخب محلي اعتبر قنوات الصرف كماليات يمكن الاستغناء عنها مقابل الإسفلت والرصيف والصور التذكارية؟ أم في منظومة كاملة ترى في البنية التحتية مجرد أرقام في دفاتر الصفقات، لا شرايين حياة يومية؟
في أفورار، المطر لا يغرق الشارع فقط، بل يفضح المنطق الذي أُنجز به، كل مرة يتكرر المشهد نفسه، وتُعاد الأسطوانة نفسها: “التساقطات المفاجئة”، “الأمطار الغزيرة”، “ظروف خارجة عن السيطرة”، وكأن المشكلة في السماء، لا فيما دُفن تحت الأرض من قنوات غائبة أو مغشوشة أو غير مكتملة.
الواقع أن ما يحدث ليس حادثًا عرضيًا، بل نتيجة طبيعية لتراكم اختلالات: مشاريع تُسلَّم على الورق أكثر مما تُنجز في الميدان، لجان تتسلم دون اختبار، ومحاسبة غائبة، أو مؤجلة إلى أجل غير مسمى، والنتيجة: شارع يتحول إلى بركة، وسكان يُجبرون على التعايش مع الإهمال، موسمًا بعد آخر.
الأخطر من الغرق المؤقت، هو التطبيع مع الفشل، أن يصبح المشهد مألوفًا، وأن يعتاد المواطن القفز فوق المياه، وأن تتعايش الجماعة مع الأمر وكأنه قدر لا يُرد.
هنا لا نكون أمام خلل تقني فقط، بل أمام أزمة حكامة حقيقية، حيث يغيب منطق الوقاية، ويُستبدل بمنطق “إطفاء الحرائق” بعد فوات الأوان.
في أفورار، المطر لا يُغرق الشارع وحده، بل يُغرق الأعذار، ويكشف أن المشكلة ليست في الطبيعة، بل في طريقة تدبيرها.
فإما أن يُعاد التفكير في معنى المشروع العمومي، من التصميم إلى الإنجاز إلى المراقبة، أو سنظل نطرح السؤال نفسه مع كل زخة: لماذا يغرق الشارع؟ والجواب، في الحقيقة، معروف، لكن لا أحد يريد تحمّل مسؤوليته.
تعليقات الزوار