حسن غربي – الحسيمة
تشهد عدد من أحياء إقليم الحسيمة، بشكل شبه يومي، مظاهر تثير استياءً واسعًا في صفوف المواطنين، تتمثل في ركن سيارات تابعة للدولة أمام منازل خاصة، أو محلات تجارية، أو مقاهٍ، خلال ساعات متأخرة من الليل أو في أيام العطل، في مشاهد لا تمت بصلة للمهام الإدارية التي خُصصت من أجلها هذه العربات.
واقع يطرح علامات استفهام ثقيلة حول احترام القوانين المؤطرة لاستعمال سيارات الدولة، وحول جدية المراقبة داخل الإدارة الترابية.
لم يعد الأمر يتعلق بحالات معزولة أو باستعمالات استثنائية تفرضها الضرورة، بل تحوّل، في نظر متتبعين للشأن المحلي، إلى سلوك شبه عادي، يُمارَس دون حرج، من طرف بعض رؤساء المصالح أو أعوان السلطة، في غياب أي إحساس بالمحاسبة أو الخشية من الجزاء. سيارات إدارية تُشاهد مركونة يوميًا أمام المقاهي أو المساكن الخاصة، في أوقات لا يمكن تبريرها بأي مهمة رسمية، ما يعزز الشعور بوجود تساهل مقلق في التعامل مع المال العام.
والحال أن سيارات الدولة ليست امتيازًا شخصيًا، ولا وسيلة للراحة والتنقل العائلي، بل وُضعت لخدمة المصلحة العامة، وتسهيل أداء المهام الوظيفية.
واستعمالها خارج الإطار القانوني يُعد، من حيث المبدأ، شكلاً من أشكال تبديد المال العام، لما يترتب عنه من استهلاك غير مبرر للوقود، وتسريع اهتراء العربات، وتحميل خزينة الدولة تكاليف إضافية للصيانة والإصلاح.
الأخطر من ذلك أن هذه الممارسات تضرب في العمق مبدأ المساواة بين المواطنين، وتُكرّس صورة سلبية عن الإدارة، في وقت يُطلب فيه من المواطن شدّ الحزام، وتُرفع فيه شعارات ترشيد النفقات وربط المسؤولية بالمحاسبة، فكيف يمكن إقناع المواطن بعدالة الدولة، وهو يشاهد يوميًا مظاهر استغلال واضح لممتلكاتها دون حسيب أو رقيب؟
في هذا السياق، تتجه الأنظار إلى عامل إقليم الحسيمة، الذي يجد نفسه أمام اختبار حقيقي لترسيخ الحكامة الجيدة والانضباط الإداري، فالرأي العام المحلي يتساءل اليوم عمّا إذا كان العامل الجديد سيفتح هذا الملف بجرأة، ويضع حدًا لممارسات راكمت شعورًا بالإفلات من المحاسبة، أم أن الأمور ستستمر بنفس المنطق الذي طبع مراحل سابقة.د
ويستحضر عدد من المتابعين فترات سابقة، طغت فيها، حسب تعبيرهم، مظاهر اللامبالاة والتراخي، حيث كان الحضور في المناسبات الشكلية، أو الجلوس في المقاهي، يتقدّم على تتبع الاختلالات اليومية التي تمس صورة الدولة وهيبة الإدارة.
لا خلاف حول وضوح النصوص القانونية والتنظيمية المؤطرة لاستعمال سيارات الدولة، والتي تحدد بدقة الحالات المسموح بها، وتُلزم الإدارات بمسك سجلات الاستعمال وربطها بالمسؤوليات الفردية، غير أن الإشكال الحقيقي يظل في ضعف التفعيل وغياب الجزاءات الرادعة، ما يشجع على التمادي في هذه السلوكات.
إن وضع حد لهذا الريع الإداري لا يحتاج إلى قرارات معقدة، بل إلى إرادة حقيقية، تبدأ بتعليمات صارمة، ومراقبة ميدانية منتظمة، وتفعيل فعلي للمفتشيات وربط المسؤولية بالمحاسبة، حينها فقط يمكن القول إن الإدارة اختارت الانتصار للمال العام، لا التغاضي عن استباحته.
تعليقات الزوار