المحكمة الدستورية تُسقط مواد محورية من قانون المجلس الوطني للصحافة وتعيد النقاش حول استقلالية التنظيم الذاتي

هبة زووم – محمد خطاري
أصدرت المحكمة الدستورية، بتاريخ 22 يناير 2026، قرارها رقم 261/26 في الملف عدد 09/26، القاضي بعدم دستورية عدد من المواد الأساسية الواردة في القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، في حكم يُعد من بين أبرز القرارات الدستورية ذات الصلة بحرية الصحافة والتنظيم الذاتي للمهنة خلال السنوات الأخيرة.
وجاء هذا القرار بناءً على إحالة تقدم بها 96 عضواً بمجلس النواب بتاريخ 7 يناير 2026، طالبوا فيها بالبت في مدى مطابقة تسع مواد من القانون المذكور لمقتضيات دستور 2011، وذلك قبل إصدار الأمر بتنفيذه، طبقاً لما ينص عليه الفصل 132 من الدستور.
إحالة مستوفية للشروط واحترام للمسطرة التشريعية
من حيث الشكل، اعتبرت المحكمة الدستورية أن الإحالة مستوفية لكافة الشروط القانونية، لكونها مقدمة من أكثر من خُمس أعضاء مجلس النواب، وفي الآجال الدستورية المحددة.
كما أكدت أن مسطرة إعداد القانون واحترام مراحل التشريع قد تمت وفق القواعد الدستورية، سواء على مستوى التداول داخل مجلس الحكومة أو الإيداع بالأسبقية لدى مجلس النواب أو المصادقة البرلمانية.
غير أن هذا السلامة الإجرائية لم تمنع المحكمة من فحص مضمون النصوص المحالة فحصاً دقيقاً، انتهى إلى تسجيل اختلالات دستورية جوهرية مست مبادئ التعددية والتوازن والحياد وضمانات المحاكمة العادلة.
مواد غير دستورية.. عندما يختل التوازن وتُقيد التعددية
صرحت المحكمة بعدم دستورية خمس مواد، معتبرة أنها تتعارض مع روح الدستور ونصوصه الصريحة، خاصة الفصول المرتبطة بالديمقراطية التمثيلية والتعددية المهنية واستقلال الهيئات.
فبخصوص المادة 5 (البند ب)، رأت المحكمة أن التمثيلية داخل المجلس الوطني للصحافة جاءت غير متوازنة بين فئة الناشرين وفئة الصحافيين المهنيين، بشكل يُخل بمبدأ الإنصاف الديمقراطي داخل هيئة يفترض أن تقوم على التوازن بين مكونات الحقل الإعلامي.
أما الفقرة الأخيرة من المادة 4، فقد اعتُبرت غير دستورية لأنها حصرت الإشراف على التقرير السنوي للمجلس في فئة “الناشرين الحكماء” دون غيرهم، وهو ما اعتبرته المحكمة مساساً بمبدأ المشاركة الجماعية داخل مؤسسة تنظيمية ذات طبيعة تعددية.
وسجل القرار الدستوري موقفاً صارماً بخصوص المادة 49، التي تنص على فوز منظمة مهنية واحدة بجميع المقاعد، معتبرة أن هذا المقتضى يُقوض مبدأ التعددية التمثيلية المنصوص عليه في الفصل الثامن من الدستور، ويفتح الباب أمام الاحتكار بدل التنافس المهني المشروع.
كما طالت الملاحظات الدستورية المادة 57 (الفقرة الأولى)، التي اشترطت انتخاب رئيس ونائب من جنسين مختلفين، دون أن تُرفق هذا الشرط بآليات قانونية تضمن احترامه مسبقاً، ما اعتبرته المحكمة افتقاراً للانسجام التشريعي وإخلالاً بمبدأ الوضوح القانوني.
وفي ما يشبه تكريساً صارماً لمبدأ الحياد، قضت المحكمة بعدم دستورية المادة 93، لأنها جعلت رئيس لجنة الأخلاقيات، الذي يبت ابتدائياً في القضايا، عضواً في لجنة الاستئناف، وهو ما يشكل خرقاً واضحاً لمبدأ استقلالية جهات البت وضمانات المحاكمة العادلة.
مواد دستورية وأخطاء لا تمس الجوهر
في المقابل، اعتبرت المحكمة أن عدداً من المواد الأخرى لا تتضمن ما يخالف الدستور، من بينها المادتان 44 و45 المتعلقتان بشروط انتداب الناشرين ومعايير الحصص التمثيلية، معتبرة أنها تندرج ضمن السلطة التقديرية للمشرع.
كما صرحت بمطابقة المادتين 9 و10 للدستور، لارتباطهما بحالات عزل الأعضاء عند الإدانة القضائية وضمان حق الاطلاع على وثائق ملف العزل، بما ينسجم مع مبادئ الشفافية وضمانات الدفاع.
وبخصوص المادتين 13 و23، أقرت المحكمة بوجود أخطاء مادية في الصياغة، من قبيل استعمال لفظ “الدعوى” بدل “الدعوة”، غير أنها شددت على أن هذه الهفوات لا تمس جوهر النص ولا تؤثر على الأمن القانوني.
أما المادة 55، فقد اعتبرتها المحكمة منسجمة مع الدستور، موضحة أن دور المجلس الوطني للصحافة في دراسة مشاريع القوانين يظل ذا طبيعة استشارية، ولا يشكل بأي حال من الأحوال مساساً بالاختصاص التشريعي الحصري للبرلمان.
قرار يعيد رسم حدود التنظيم الذاتي للصحافة
يحمل هذا القرار الدستوري دلالات عميقة تتجاوز الجدل القانوني، ليعيد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة بالمغرب، وحدود تدخل المشرع في هندسة هيئات يفترض أن تقوم على الاستقلالية والتعددية والتوازن بين مختلف الفاعلين.
كما يشكل القرار رسالة واضحة مفادها أن أي إصلاح تشريعي، مهما كانت خلفياته، يظل ملزماً باحترام المبادئ الدستورية، وعلى رأسها الديمقراطية التمثيلية، وعدم الاحتكار، وضمان الحياد والإنصاف داخل المؤسسات.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد