هبة زووم – الرباط
تفاعلاً مع الفيضانات التي تعرفها منطقة الغرب، ووفاءً لخطه النقدي الهادئ والعميق، كتب الباحث الأكاديمي والأستاذ الجامعي يحيى اليحياوي تدوينة لافتة، قدّم فيها قراءة جريئة لأسباب تكرار الكارثة، بعيدًا عن منطق “الصدفة” أو “الاستثناء”.
اليحياوي يذكّر، منذ البداية، بأن الفيضانات في منطقة الغرب ليست حدثًا مفاجئًا، بل ظاهرة دورية تضرب المنطقة بشكل شبه منتظم كل سبع إلى عشر سنوات، وتخلّف في كل مرة آثارًا مدمّرة تطال الدواوير القريبة من الأودية والسهول المنخفضة، حيث تُمحى تجمعات سكنية عن آخرها، وتُدمّر طرق ومسالك وقناطر، لتُعاد صياغة الجغرافيا المحلية من جديد.
غير أن المفارقة، كما يشير اليحياوي، لا تكمن في قوة الطبيعة وحدها، بل في ضعف الذاكرة الجماعية وسوء التدبير، فبمجرد انحسار المياه، يعود السكان إلى نفس المواقع التي جرفتها الفيضانات، ويعيدون بناء الدواوير وفتح الطرق، وكأن شيئًا لم يحدث، رغم علمهم المسبق بأن الفيضانات موسمية، وأن عودتها مسألة وقت لا أكثر.
ولا يعفي الباحث الدولة من المسؤولية، بل يضعها في قلب الإشكال، حين يؤكد أن المقاربة الرسمية لا تختلف كثيرًا عن سلوك السكان.
فالدولة، حسب تعبيره، لا تكترث بدورها، وتكتفي بترقيع آثار فيضانات السنة الجارية، لتنتظر فيضانات أخرى، وتعالج الداء بنفس الدواء: ترحيل مؤقت، إيواء في خيام أو مدارس، تدخل استعجالي، ثم طيّ الصفحة.
ويعتبر اليحياوي أن هذا المنطق لا يشكّل حلاً، بل يؤسس لتكرار المأساة. فالتدبير الحقيقي، في نظره، يقتضي تفكيرًا استباقيًا بعيد المدى، يقوم على ترحيل السكان من المناطق المعرضة للفيضانات بشكل دائم، وتحديد المجالات الزراعية التي يمكن حمايتها بوسائل تقنية فعالة، إلى جانب توعية السكان ببدائل التعايش مع هذه الظاهرة الطبيعية، وسبل تدبير السدود وتفريغها.
ورغم إقراره باتخاذ الدولة لتدابير احترازية خلال الفيضانات الحالية، إلا أن اليحياوي يشدد على أن النجاعة لا تُقاس برد الفعل الآني، بل بمدى الاستعداد لما سيقع بعد عشر أو خمس عشرة سنة، أما ما حدث اليوم، يقول الباحث، فقد وقع وانتهى، ولا يمكن تغييره، لكن ما يمكن تغييره حقًا هو طريقة التفكير في المستقبل.
تعليقات الزوار