المعارضة تدق ناقوس الخطر وتحذر من إفراغ البرلمان من دوره التشريعي وتحويله إلى غرفة للتصويت

هبة زووم – الرباط
عاد الجدل البرلماني ليطفو من جديد حول طريقة تدبير الزمن التشريعي، بعد انتقادات لاذعة وجهتها مكونات المعارضة بمجلس النواب لما وصفته بالسرعة غير المبررة في برمجة جلسات تشريعية لمناقشة والمصادقة على مشاريع قوانين لم تستكمل بعد شروط الجاهزية السياسية والتقنية.
الانتقادات لم تكن عابرة ولا تقنية فقط، بل مست جوهر العملية التشريعية، وطرحت سؤالًا مقلقًا حول مصير الأمن التشريعي في ظل إيقاع متسارع يُفرغ النقاش البرلماني من مضمونه، ويختزل دور النواب في المصادقة بدل التشريع.
الأمن التشريعي في مرمى الاستعجال
رئيس الفريق الاشتراكي – المعارضة الاتحادية، عبد الرحيم شهيد، دق ناقوس الخطر داخل الجلسة الأسبوعية للأسئلة الشفوية، محذرًا مما سماه تهديدًا حقيقيًا للأمن التشريعي.
فبرأيه، فإن برمجة القوانين بهذه الطريقة لا تستقيم لا ديمقراطيًا ولا مؤسساتيًا، بل تمثل مضيعة للوقت وتفريغًا للنقاش من معناه.
شهيد شدد على أن المعارضة ليست في موقع التعطيل، بل في موقع الاشتغال الجاد، مؤكدًا استعداد فريقه للعمل ليلًا ونهارًا لإعداد التعديلات الضرورية، شرط احترام الزمن البرلماني ومنطق التشاور، لا فرض الأمر الواقع تحت ذريعة الاستعجال.
برلمان تحت الضغط الزمني
من جهته، عبّر رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، عبد الله بوانو، عن رفضه الصريح لمنهجية البرمجة، متسائلًا بحدة عن الكيفية التي يُنتظر بها من النواب مناقشة مئات التعديلات في زمن قياسي.
تساؤل بوانو لم يكن تقنيًا فقط، بل سياسيًا بامتياز: كيف يمكن لبرلماني أن يناقش 300 أو 400 تعديل، ويُعد مداخلته، ويؤدي دوره الرقابي والتشريعي، في جلسات تُضغط داخل ساعات متأخرة من الليل؟
إنه سؤال يعكس واقع مؤسسة تشريعية تُدفع، في كثير من الأحيان، إلى الاشتغال تحت الضغط، بما يحول النقاش إلى إجراء شكلي، ويجعل التصويت نتيجة محسومة سلفًا.
قوانين حارقة خارج الأجندة
في السياق نفسه، ذهب إدريس السنتيسي، رئيس الفريق الحركي، أبعد من انتقاد البرمجة، داعيًا رئيس الحكومة إلى تحمل مسؤوليته السياسية عبر عقد دورة استثنائية مخصصة للقوانين الاجتماعية الكبرى والعاجلة، مثل مدونة الشغل وإصلاح أنظمة التقاعد.
هذا الطرح يكشف مفارقة صارخة: قوانين مصنفة كـ”حارقة” وتمس ملايين المغاربة تُؤجل أو تُرحّل، بينما تُمرّر نصوص أخرى بسرعة قياسية، وكأن الأولويات لا تُحدد وفق حجم الأثر الاجتماعي، بل وفق حسابات سياسية ضيقة.
تشريع بلا نقاش.. خطر صامت
ما يجري اليوم داخل البرلمان، وفق قراءة متقاطعة لمواقف المعارضة، ليس مجرد خلاف حول البرمجة، بل أزمة في فلسفة التشريع نفسها. فالقانون الذي يُصادق عليه دون نقاش معمق، ودون تمحيص كافٍ، يصبح عرضة للطعن، وسوء التأويل، وفقدان الثقة، وهو ما ينعكس سلبًا على جودة المنظومة القانونية ككل.
الأمن التشريعي لا يتحقق بالسرعة، بل بالتأني، ولا بعدد القوانين المصادق عليها، بل بمدى قابليتها للتطبيق، وانسجامها مع الدستور، وقدرتها على حل الإشكالات الواقعية للمجتمع.
هل من مراجعة للمسار؟
إن استمرار هذا النهج في تدبير الزمن التشريعي يهدد بتحويل البرلمان إلى مجرد محطة تقنية لتمرير النصوص، بدل أن يكون فضاءً للنقاش العمومي وصناعة التوافقات.
وهو ما يستدعي وقفة سياسية صريحة لإعادة الاعتبار لدور المؤسسة التشريعية، واحترام المعارضة، وضمان حق النواب في التشريع لا في التصويت فقط.
فهل تلتقط الحكومة ومكتب المجلس هذه الإشارات التحذيرية؟ أم أن منطق الاستعجال سيبقى سيد الموقف، ولو على حساب جودة القوانين وثقة المواطنين؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد