الدولة الاجتماعية تحت الاختبار وأسعار الغذاء تفضح فشل الحكومة في حماية موائد المواطنين

هبة زووم – الرباط
لم يعد غلاء أسعار المواد الغذائية مجرد أزمة ظرفية عابرة، بل تحوّل إلى واقع يومي خانق يضغط على أعصاب المغاربة ويقضم قدرتهم الشرائية بلا رحمة.
واقعٌ لم تعد تُخفيه لغة الأرقام ولا تُجمّله بلاغات الحكومة، بل بات ملموسًا في تفاصيل الحياة البسيطة، حيث أصبح اقتناء الحد الأدنى من الغذاء معركة يومية تخوضها آلاف الأسر.
داخل قبة البرلمان، قالت البرلمانية خدوج السلالسي، عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ما يتجنّب كثيرون قوله صراحة: السياسات الاجتماعية لم تصل إلى موائد المغاربة. فحين يصبح “الهم الوحيد للمواطن هو تأمين الصحة الجسدية عبر الغذاء”، فهذا ليس توصيفًا دراميًا، بل تشخيصًا دقيقًا لوضع اجتماعي ينذر بالخطر.
الأسئلة التي وجّهتها البرلمانية إلى وزير الفلاحة لم تكن تقنية ولا إجرائية، بل سياسية بامتياز: أين يذهب الدعم؟ ولماذا لا ينعكس على الأسعار؟ ومن يستفيد فعليًا من هذه السياسات؟ أسئلة تُحرج الحكومة لأنها تصطدم بواقع لا يمكن تبريره بالشعارات، ولا ترقيعه بتفسيرات ظرفية.
في المقابل، جاء رد وزير الفلاحة محمّلاً بالخطاب التقليدي ذاته: اختلالات في التسويق، وسطاء، أسواق جملة تحتاج إلى إصلاح، ولجان بين وزارية تُعد مشاريع قوانين، تشخيصٌ يُعاد منذ سنوات، دون أن يترجم إلى إجراءات حاسمة توقف نزيف الأسعار أو تحمي المستهلك من جشع المضاربين.
أما ربط الارتفاع الأخير للأسعار بالتساقطات المطرية وصعوبات الجني والنقل، فيبدو تبريرًا ضعيفًا أمام ذاكرة المواطن، فالمغاربة عاشوا مواسم مطرية سابقة دون أن تتحول الخضروات والمواد الأساسية إلى سلع شبه فاخرة، المشكلة اليوم ليست في المطر، بل في غياب الضبط، وترك السوق رهينة لمنطق الوساطة والريع.
الأخطر من ذلك أن هذا النقاش يأتي ونحن على أبواب شهر رمضان، حيث يرتفع الطلب وتتضاعف الأسعار، في غياب أي إجراءات استباقية ملموسة لتخفيض أثمان المواد الأساسية أو توجيه الإنتاج الفلاحي نحو ما يستهلكه المغاربة فعلًا، بدل التركيز على الزراعات التصديرية التي لا تُشبع السوق الداخلية.
إن الادعاء بالانتصار لـ”الدولة الاجتماعية” يفقد معناه عندما تعجز هذه الدولة عن حماية أبسط حق للمواطن: القدرة على الأكل بكرامة، فالدولة الاجتماعية لا تُقاس بعدد البرامج ولا بحجم الشعارات، بل بما يشعر به المواطن في سوق الحي، وبما تبقى في جيبه آخر الشهر.
أمام هذا الوضع، لم يعد المطلوب مزيدًا من التشخيص، بل قرارات سياسية شجاعة: كسر احتكار الوسطاء، إصلاح جذري لأسواق الجملة، توجيه الدعم نحو الاستهلاك الداخلي، وربط المسؤولية بالمحاسبة في ملف الأمن الغذائي، وغير ذلك، سيظل المواطن يسمع عن “إصلاحات قيد الإعداد”، بينما يواجه وحده غلاءً أصبح أقرب إلى سياسة أمر واقع.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد