الدار البيضاء: عزلة العمدة وسقوط التحالف يحول مجلس المدينة إلى سوق سياسي

هبة زووم – أحمد الفيلالي
أدرك البيضاويون اليوم أن مجلس جماعة الدار البيضاء، برئاسة العمدة نبيلة الرميلي، لم يعد فضاءً للترافع عن مصالح المواطنين أو مختبرًا لصناعة حلول تنموية تليق بعاصمة اقتصادية بحجم المدينة، بل بات أقرب إلى سوق سياسي تُدار فيه الأمور بمنطق العرض والطلب، حيث تتقاطع الحسابات، وتُباع المواقف، وتُشترى التحالفات بثمن بخس.
المسؤولية عما آلت إليه أوضاع المدينة لا تتحملها العمدة وحدها، رغم ما يطبع تدبيرها من ارتباك وعشوائية، بل يتقاسمها معها منتخبون آخرون استباحوا “بلعلالي” شرف المدينة، ورضوا أن يكونوا شهود زور على إضعاف مؤسسة دستورية يفترض فيها أن تكون رافعة للديمقراطية المحلية.
يسجل مجلس جماعة الدار البيضاء توترًا سياسيًا متصاعدًا، سواء داخل التحالف الثلاثي المكوَّن من أحزاب التجمع الوطني للأحرار، الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، مع حضور الاتحاد الدستوري، أو في علاقته بالمعارضة.
هذا الاحتقان لم يعد حبيس دهاليز الجماعة، بل خرج إلى العلن، خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تُدار معارك سياسية مفتوحة تعكس عمق الأزمة.
وقد شكلت دورة يناير العادية محطة مفصلية في مسار العمدة، إذ انتقلت من موقع المتحكمة في موازين القوة إلى وضع سياسي هش، عنوانه الخسارة والتراجع.
فمن كانت بالأمس تتربع على عرش النتائج الانتخابية، وجدت نفسها اليوم معزولة، في مشهد سياسي نادر، بعدما تخلّى عنها أقرب الحلفاء والموالين.
هذا، وقد فشلت العمدة في التمييز بين السيئ والأسوأ في الممارسة السياسية، لتكتب بنفسها فصول انحدارها، وتضع نهاية تراجيدية لمسار سياسي مثقل بالتناقضات والسقطات.
ولقد كشفت التجربة أن الرهان على التحالفات دون تقدير موازين القوى، أو الارتماء في أحضان مستشارين ومنسقين محدودي الرؤية، قد يكون مكلفًا سياسيًا إلى حد فقدان السيطرة على المشهد.
الرسالة التي بعث بها الفرقاء السياسيون داخل المجلس كانت واضحة: كل خطوة غير محسوبة في السياسة لها ثمن، والاعتماد على خيارات تنظيمية فاشلة هو ضرب من المجازفة قد يكلّف المستقبل السياسي برمّته.
اليوم، لم يعد مقبولًا الاكتفاء بالصمت أو محاولة الخروج الهادئ من المشهد. المحاسبة أصبحت ضرورة سياسية وأخلاقية، كما أن حزب التجمع الوطني للأحرار مطالب، قبل فوات الأوان، بموقف واضح من وضعية مجلس مدينة الدار البيضاء، إذا كان فعلًا يراهن على تصدر الاستحقاقات المقبلة.
التجربة تُحذّر من تكرار أخطاء سابقة عاشتها أحزاب أخرى حين سلّمت مفاتيح القرار لمن لا يستحق، فكانت النتيجة اهتزاز الثقة وضياع البوصلة. الدار البيضاء أكبر من أن تُدار بمنطق الصفقات الظرفية، وأثقل من أن تكون رهينة حسابات أشخاص.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد