بلاغ النقابة الديمقراطية للعدل بكلميم: دفاع مشروع عن الحقوق أم ورقة في لعبة النفوذ؟

هبة زووم – كلميم
ليس خبراً عادياً ذلك الذي هزّ أروقة المحكمة الابتدائية بكلميم، فبلاغ “إنذاري” صادر عن مكتب نقابي محلي، يحمل في طياته مطالب مشروعة ظاهرياً، تحول فجأة إلى قنبلة موقوتة أطلقت سؤالاً واحداً يتردد كصدى مزعج في دهاليز العدالة: من يريد رأس النيابة العامة؟
ليس السؤال بريئاً، وليس الجواب سهلاً، لكنه ضروري، لأن ما يجري في كلميم يتجاوز بكثير “خلافًا مهنيًا” عابرًا، ليكشف عن حرب خفية تُخاض تحت غطاء “الدفاع عن الحقوق”.
في ظاهره، جاء البلاغ حاملاً همومًا مهنية: تحسين ظروف العمل، معالجة “وضعيات غير سليمة”، والدفاع عن كرامة موظفي العدل، ومن يقرأ النص قراءة أولى، لن يجد فيه إلا تعبيراً نقابياً مشروعاً عن مطالب فئة تستحق كل العناية.
لكن المتأمل في النبرة، وفي طريقة الاستهداف، وفي التوقيت الذي اختير بعناية، يدرك أن الأمر يتجاوز “المطلبي” إلى “السياسي”، ومن “المهني” إلى “الشخصي”.
فحين يُوجّه النقد بشكل علني ومباشر إلى النيابة العامة ومسؤوليها، دون استنفاد قنوات الحوار الداخلي، ودون توثيق مسارات التسوية السابقة، فإن الرسالة تصبح واضحة: الهدف ليس الإصلاح، بل الإحراج والتشهير.
لا يشكك عاقل في حق موظفي قطاع العدل في التنظيم النقابي والدفاع عن مكتسباتهم، فهذا حق دستوري، وضرورة مهنية، وضمانة لتوازن المرفق، لكن الحق، حين يُمارس في قطاع حساس كالقضاء، يفرض مسؤولية مضاعفة.
فالنيابة العامة ليست مديرية إدارية عادية؛ إنها جزء من سلطة قضائية مستقلة، يفترض أن تبقى بمنأى عن منطق الضغط والمساومة، وحين يتحول النقد العلني إلى أداة للتهويل والابتزاز، فإن الخطر لا يطال الأشخاص فحسب، بل يطال ثقة المواطن في العدالة ذاتها.
وهنا يكمن التناقض الصارخ: كيف ندافع عن استقلال القضاء، ونحن نمارس عليه ضغوطاً علنية؟ وكيف نطالب بالشفافية، ونحن نلجأ إلى التصعيد الإعلامي قبل استنفاد المساطر الداخلية؟
هذا هو لب اللغز، فلو كانت المطالب مهنية بحتة، لكانت قنوات الحوار الداخلي كافية لمعالجتها، لكن اختيار التصعيد العلني، في توقيت دقيق، يطرح أسئلة لا مفر منها: لماذا الآن بالذات؟ هل هناك ملفات حساسة تمر في النيابة العامة يراد التأثير فيها؟ ولماذا هذه الحدة؟ هل تعكس تراكمًا في سوء التدبير، أم أنها أداة لتصفية حسابات شخصية؟ ومن المستفيد؟ من يربح إذا ضعفت هيبة النيابة محلياً؟ ومن يخسر إذا ظلت قوية ومستقلة؟
بعض القراءات ترجح كفة “الصراع الخفي”: صراع نفوذ، حسابات ترقية، أو حتى محاولات للتأثير في قرارات حساسة تحت غطاء “الاحتجاج المشروع”، وإن صحّت هذه الفرضية، فإننا أمام خطر حقيقي: تسييس القضاء من داخله.
اليوم، تجد النيابة العامة بكلميم نفسها في موقف دفاعي، ليس بسبب قرار قضائي مثير للجدل، بل بسبب ضجيج يُصنع حولها، وهذا بحد ذاته مؤشر خطير.
فالمؤسسة القضائية تحتاج إلى تحصين دائم، ليس فقط من التدخلات الخارجية، بل أيضاً من أي توظيف داخلي قد يُضعف هيبتها، والخلافات المهنية، مهما اشتدت، يجب أن تُدار في إطارها القانوني، بعيداً عن الإعلام والتهويل.
وأمام هذا الاستقطاب، تبرز الحاجة إلى تدخل حكيم من الجهات الوصية على القضاء، تدخل لا يهدف إلى “كسب طرف على حساب آخر”، بل إلى: فتح تحقيق شفاف في الادعاءات المطروحة، مع ضمان حق الدفاع للجميع، فصل المسؤوليات إن وُجدت، دون محاباة أو انتقام، إعادة تفعيل قنوات الحوار المؤسساتي بين النقابة والإدارة، مع تحصين النيابة العامة من أي استغلال، مع ضمان حقوق الموظفين المشروعة.
في النهاية، يبقى السؤال المفتاح: من يريد رأس النيابة العامة بكلميم؟ ليس للإجابة عنه أن نتهم جزافاً، بل لندعو إلى التمييز: التمييز بين حق نقابي مشروع، ومحاولات لتوظيف هذا الحق في غير موضعه.
فالعدالة لا تُبنى بالتهويل، ولا تُهدم بالنقد، تُبنى بالشفافية، وتُصان بالمسؤولية، ومن يريد حقاً إصلاح النيابة العامة، فليبدأ بالحوار، لا بالحرب. وليتذكر أن رأس العدالة لا يُقطع إلا بيد من يدّعي الدفاع عنها.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد