حين تُرمّم القبور ويُدفن التاريخ.. من يجرؤ على تبييض صفحة الاحتلال والإساءة لعسو أوبسلام؟

هبة زووم – أبو العلا العطاوي
في بلدة “ألنيف” الهادئة بجهة درعة تافيلالت، لم يكن تدشين ترميم مقبرة عسكرية لجنود فرنسيين مجرد حدث إداري أو ثقافي عابر، بل كان صفعة مدوية في وجه الذاكرة الوطنية، واستفزازاً صارخاً لتضحيات الآلاف من المغاربة الذين سقطوا دفاعاً عن أرضهم وكرامتهم ضد آلة الاستعمار الفرنسي.
فبينما يقف وفد رسمي مغربي-فرنسي ليُزيّن قبور جنود قتلوا عام 1933 وهم يحاربون المقاومة الوطنية بقيادة البطل “عسو أوبسلام” في معركة “بوكافر” الشهيرة، يقف أحفاد المقاومين يتساءلون في ألم: أين عدالة التاريخ؟ وأين اعتبار لدماء الشهداء؟
لم يكن صمت الأوساط السياسية والمدنية بجهة درعة تافيلالت خياراً ممكناً، فقد انفجر السخط في بيان ناري لحزب “النهج الديمقراطي العمالي”، وصف فيه الخطوة بـ”الاستفزاز الصارخ للذاكرة الوطنية”، واتهم الدولة الفرنسية بمحاولة “تبييض وجه الاحتلال القذر” تحت غطاء “الذاكرة المشتركة”.
والحقيقة أن هذا الوصف ليس مبالغاً فيه، فحين تُرمّم فرنسا قبور جنودها الذين جاءوا لقتل المغاربة في ديارهم، بينما لا تزال ذاكرة جرائم الحرب الاستعمارية – من حرق القرى إلى تجويع المدنيين – تنتظر الاعتراف والاعتذار، فإن الرسالة واضحة: القتلة يستحقون التكريم، والضحايا يستحقون النسيان.
لم يكن اختيار تاريخ 12 فبراير للتدشين صدفةً بريئة، فهذا اليوم يتزامن مع ذكرى حصار وتجويع مجاهدي “صاغرو”، إحدى أكثر الصفحات دموية في تاريخ المقاومة الأمازيغية ضد الاستعمار.
فكيف يُعقل أن يُحتفى بقتلة في نفس اليوم الذي نُحيي فيه ذكرى ضحاياهم؟ أليس هذا نوعاً من السخرية التاريخية التي تُجرح الوجدان الجماعي للأمازيغ والمغاربة على حد سواء؟
الفعاليات الحقوقية والمدنية التي وقّعت على عريضة الاستنكار لم تبالغ حين وصفت الحدث بـ”الإهانة للذاكرة”، فالجرح الاستعماري لم يندمل بعد، وإعادة فتحه تحت مسمى “التعاون الثقافي” هو ضرب من الاستخفاف بعقول الأحياء وتضحيات الأموات.
هنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاماً: نفس الدولة الفرنسية التي تجرّم النازية، وتُكرم ضحايا الأرمن، وتبكي على جثث الحرب العالمية، تأتي اليوم إلى المغرب لتمجّد جنوداً قتلوا مدنيين عزل في جبال الأطلس الصغير، فأي منطق هذا؟ وأي “ذاكرة مشتركة” تُبنى على تزييف الحقائق وتهميش الضحايا؟
إن “ازدواجية المعايير” الفرنسية ليست جديدة، لكن أن تجد من يغطّي عليها محلياً تحت شعار “العلاقات الثنائية” و”الشراكة الاستراتيجية”، فهذا هو الخطر الحقيقي، فالتاريخ لا يُبنى بالمصالح الآنية، ولا تُطوى صفحاته باتفاقيات دبلوماسية تخدم النخبة وتُهين الشعب.
لا أحد يرفض الحوار حول التاريخ. ولا أحد يعارض المصالحة مع الماضي. لكن المصالحة الحقيقية تبدأ بالاعتراف بالجريمة، لا بتزيين قبور الجلادين.
فإذا كانت فرنسا تريد حقاً بناء “ذاكرة مشتركة” مع المغرب، فلتبدأ بالاعتراف الرسمي بجرائم الاستعمار في منطقة بوكافر وصاغرو، تقديم اعتذار علني لأبناء الجهة ولأحفاد المقاومة، ترميم مواقع مقاومة المغاربة كما تُرمّم مقابر المستعمرين، مع إدراج الرواية المغربية في المناهج التعليمية الفرنسية عن الحقبة الاستعمارية.
أما أن تأتي فرنسا لترمم قبور قتلة عسو أوبسلام، بينما لا تزال وثائق جرائم الحرب مُغلقة في أرشيفاتها، فهذا ليس “تعاوناً ثقافياً”، بل تزييف للتاريخ وإهانة للكرامة.
في النهاية، تبقى الرسالة واضحة لكل من يملك قراراً أو ضميراً: العلاقات الدولية لا تبنى على ظهر الذاكرة الوطنية، ولا تُطوى صفحات المقاومة تحت ضغط “البراغماتية” السياسية.
شهداء “بوكافر” و”صاغرو” لم يموتوا ليُكرّم قتلتهم بعد قرن من الزمان، ماتوا دفاعاً عن حرية شعبهم، وكرامة أرضهم، وهوية أجيالهم، ومن يحاول أن يمسح هذه التضحيات بفرشاة الترميم، فسيجد أن ذاكرة الشعوب أقوى من جدران القبور، وأبقى من وعود الدبلوماسيين، فإما اعتذارٌ يليق بالتاريخ، وإما غضبٌ يليق بالأحفاد، والخيار، كما كان دائماً، بين يدي من يملك الشجاعة لقول الحق.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد