الناظور تُشّرح دون طبيب: ارتجال الأشغال يضع تسيير العامل الشعراني على المحك ومواطن ينتظر “الفرج”

هبة زووم – محمد أمين
رغم أننا لسنا من هواة نفخ البالونات، ولا من عشاق المديح المجاني، إلا أن واجب القول يقتضي منا أن نقول الحقيقة كما هي، بلا مساحيق ولا رتوش، وألا نخشى في ذلك لومة لائم ولا كيد لئيم. فالكلمة الصادقة، مهما بدت موجعة أحيانًا، تظل أرحم من صمتٍ يتواطأ مع النسيان، وأصدق من خطابٍ يختزل الرجال في شعارات عابرة.
واليوم، وفي ظل التدبير المحلي الذي يقوده العامل الشعراني، لا تحتاج إلى بوصلة لتضيع في متاهات مدينة الناظور، بل يكفيك أن تتبع أثر “الأشغال المتعثرة” و”المشاريع النائمة” لتصل مباشرة إلى حيث لا شيء مكتمل. مدينة تطل على البحر بجمالها الأخاذ، لكنها للأسف تُدار بعقلية “البر الجاف”، حيث الأمواج وحدها هي من تتحرك بحيوية، أما المشاريع التنموية فتفضل الاستلقاء في وضعية “قيد الدراسة” إلى أجل غير مسمى.
في الناظور، لم تعد الطرق مجرد بنية تحتية للتنقل، بل تحولت إلى ما يشبه “التجربة الروحية” للمواطن، حيث تصبح الحفرة هنا تذكارًا للماضي، والأخرى هناك تذكيرًا بمستقبل مجهول. إصلاحات تبدأ فجأة، وتتوقف فجأة، دون أن يعرف المواطن البسيط: هل هذا إصلاح فعلي؟
أما قصة الأشغال فحدث ولا حرج: تُحفر الطريق، تُترك على حالها أشهرًا، ثم تُعاد حفرها من جديد، وكأن هناك رهانًا خفيًا على من يستطيع إنهاك المواطن أكثر قبل أن ييأس. والنتيجة النهائية؟ مدينة تبدو وكأنها خضعت لعملية جراحية مستعجلة… دون طبيب مختص،留下了 جروحًا مفتوحة في وجه المارة والسيارات على حد سواء.
واليوم، ونحن نستحضر حال مدينة الناظور في ظل تواجد العامل الشعراني، ونقارن بين أمسها ويومها، لا نفعل ذلك بدافع الحنين الساذج إلى الماضي، ولا رومانسية الذكريات، بل من باب استحضار نموذجٍ كان ممكنًا، وواقعٍ كان أقل توترًا وأقرب إلى المعقول.
لا نقول إن تلك المرحلة كانت مثالية أو خالية من الهفوات، ولكننا نقول إن “روحها” كانت مختلفة جوهريًا: روح خدمة لا روح غنيمة، وروح مسؤولية لا روح مصلحة ضيقة. أما اليوم، فتبدو المعادلة معكوسة، حيث يطغى منطق “الغنيمة” على منطق “الخدمة”، وتصبح المصالح الضيقة هي البوصلة التي توجه قرارات التدبير المحلي، بينما يظل المواطن هو الخاسر الأكبر في هذه المعادلة.
إن نظرة فاحصة على خريطة المشاريع في الناظور تكشف عن مفارقة مؤلمة: مدينة واعدة بإمكانيات هائلة، لكنها مقيدة ببيروقراطية “الدراسات” التي لا تنتهي، مشاريع تُعلن عنها بتصوير إعلامي مبهر، ثم سرعان ما تتبخر في أدراج المكاتب، أو تتحول إلى أشغال متقطعة تُعطل الحياة اليومية بدلاً من تحسينها.
هذا الوضع لا يعكس فقط “ضعفًا في التدبير”، بل يطرح تساؤلات جوهرية حول الرؤية الاستراتيجية للعهد الحالي: هل هناك خطة واضحة للتنمية؟ أم أن الأمر مجرد ردود أفعال ارتجالية تستجيب للضغوط الآنية دون تفكير في المستقبل؟
في خضم هذا الارتجال، يبقى المواطن هو من يدفع الثمن غاليًا: وقتًا ضائعًا في الازدحام، وسيارات متضررة من الحفر، وأعصابًا منهكة من الانتظار، وصمت السلطات المحلية أمام هذا الواقع لا يُفسر إلا بطريقتين: إما عجز عن التحكم في ملفات الأشغال، وإما تواطؤ ضمني مع مقاولين يحولون المدينة إلى ورش دائم دون إنجاز حقيقي.
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: إلى متى ستستمر الناظور في هذا الوضع؟ وإلى متى سيُترك المواطن وحيدًا يواجه “أشغالاً” لا تنتهي و”وعودًا” لا تتحقق؟
ما تعيشه الناظور اليوم ليس “أزمة ظرفية”، بل هو اختبار لمصداقية التدبير الترابي وقدرة العامل الشعراني على إثبات أن ولايته ليست مجرد “محطة عبور” لجمع المكاسب، بل عهد للتنمية الحقيقية.
فإما أن تتحرك السلطات المحلية بجدية لاستكمال المشاريع، وإنهاء معاناة الطرق، واستعادة “روح الخدمة” التي افتقدتها المدينة، وإما أن يستمر “نهج الغنيمة” الذي يُحوّل الناظور إلى ورش مفتوح دون منتج، ويُهدر ثقة المواطنين في مؤسساتهم.
سكان الناظور ينتظرون. والصبر له حدود. فإما تدبير رشيد يُنقذ المستقبل، وإما استمرار في “الارتجال” الذي يُغرق المدينة في الحفر ويُضيع الأمل.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد