الجلبانة بـ13 درهماً والبطاطس بـ8: أسعار الخضر تجنن المغاربة وأين دور الحكومة في كبح “جحيم الأسعار”؟
هبة زووم – الدار البيضاء
لازالت أسعار الخضر بجميع أصنافها تواصل ارتفاعها الصاروخي، في مشهد يؤجج غضب المواطنين المغاربة ويضع قدرتهم الشرائية تحت مطرقة الغلاء وسندان الصمت الرسمي، فبينما يتجول المستهلك في الأسواق باحثاً عن لقمة عيش كريمة، يصطدم بواقع مرير تحولت فيه أبسط المواد الغذائية إلى “سلع فاخرة” لا تطالها إلا أيدي القلة، في وقت تبدو فيه آليات الضبط والرقابة الحكومية عاجزة عن كبح جماح سوق العرض والطلب الذي أصبح يتحكم فيه المضاربون أكثر من محددات الإنتاج والتوزيع.
وقد أكد مجموعة من المواطنين المغاربة، في تصريحات متفرقة، أن جميع أصناف الخضر بدون استثناء عرفت ارتفاعاً مهولاً، لدرجة أن هناك بعض الخضراوات تجاوز ثمنها 15 درهماً، من قبيل الجلبانة واللوبية، وهي أسعار تعتبر خيالية بالنسبة لدخل الأسر المغربية المتوسط، خاصة في ظل استقرار الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة.
وفي جولة استطلاعية بسوق الجملة للخضر والفواكه بمدينة الدار البيضاء، أكد أحد المهنيين أن الأسعار عرفت ارتفاعاً مهولاً خلال الفترة الأخيرة، حيث وصل سعر البطاطس إلى 8 دراهم للكيلوغرام الواحد، وهو سعر قياسي لمادة استراتيجية تشكل قاسماً مشتركاً في موائد المغاربة، كما سجل نفس المهني أن سعر البصل بلغ أيضاً 8 دراهم، في وقت وصل فيه سعر الجلبانة إلى 13 درهماً، والبدنجان والفلفل إلى 7 دراهم.
هذه الأرقام، وإن بدت مجرد معطيات رقمية، فإن ترجمتها على أرض الواقع تعني أن أسرة مغربية مكونة من 5 أفراد قد تضطر لإنفاق جزء كبير من دخلها اليومي مجرد لشراء سلّة خضر بسيطة، مما يطرح سؤالاً وجودياً حول مستقبل القدرة الشرائية للمواطن المغربي في ظل هذا الغلاء الصاروخي.
ورغم أن بعض التبريرات الرسمية تلجأ دائماً إلى العوامل الموسمية وتقلبات الإنتاج لتفسير ارتفاع الأسعار، إلا أن استمرار هذا الغلاء لفترات طويلة، وشموليته لمعظم أصناف الخضر، يجعل من الصعب القبول بهذه الحجج كمبرر وحيد.
فالمغرب بلد فلاحي بامتياز، ويمتلك إمكانيات هائلة للإنتاج، مما يستدعي البحث عن أسباب أخرى قد تكون مرتبطة بسلاسل الوساطة الطويلة: التي تتحكم في مسار المنتج من الضيعة إلى المائدة، مما يرفع سعره بشكل مصطنع، ضعف آليات المراقبة: التي تسمح للمضاربين بتخزين المواد ورفع أسعارها في فترات الذروة، مع غياب استراتيجية التخزين: التي تمكن من تنظيم العرض وتجنب الصدمات الموسمية.
فتحويل سوق الخضر من فضاء لتلبية الحاجيات إلى سوق للمضاربة لا يُهدر فقط قدرة المواطن الشرائية، بل يُرسّخ ثقافة اللامبالاة المؤسسية التي تُقدم راحة التجار على كرامة المستهلك.
وأمام هذه المعطيات، لم يعد مقبولاً أن تُترك الأسر المغربية رهينة ارتفاع الأسعار وصمت الرقابة، فما يحتاجه المواطنون اليوم هو: تفعيل دور لجان المراقبة بشكل استعجالي في أسواق الجملة والتقسيط، لمحاسبة كل من يثبت تورطه في الاحتكار أو المضاربة، دعم قنوات التوزيع المباشرة بين المنتج والمستهلك، لتقليص هوامش الربح للوسطاء، إطلاق موسم استثنائي للخضر بأسعار مدعمة في الأسواق البلدية، لحماية الفئات الهشة، مع نشر تقارير أسبوعية شفافة حول أسعار الإنتاج والبيع، لضمان حق المواطن في المعلومة.
ما تعيشه الأسر المغربية مع ملف أسعار الخضر ليس تقلصاً موسمياً عادياً، بل هو اختبار لمصداقية السياسات الحمائية وقدرة الدولة على تجاوز عقلية المراقبة الشكلية لخدمة المصلحة العامة.
فإما أن تتحول وعود الحماية من كلمات في بلاغ إلى إجراءات على الأرض، وإما أن تستمر ثقافة الغلاء التي تُهدر ثقة المغاربة في قدرة مؤسساتهم على ضمان كرامتهم المعيشية.