الرشيدية: فوضى الأسعار تكشف فشل القسم الاقتصادي وسيطرة “فراقشية الخضروات” على قوت المواطنين!

هبة زووم – الرشيدية
لا حديث اليوم بين المتسوقين في مدينة الرشيدية إلا عن الأسعار غير المسبوقة التي تباع بها الخضروات والفواكه في أسواق المدينة، حيث بلغ ثمن البصل، المادة الحيوية في كل مائدة مغربية، إلى 18 درهماً للكيلوغرام الواحد، فيما وصل ثمن الفلفل إلى 19 درهماً، وثمن الطماطم إلى 8 دراهم، أما الفواكه فلم يعد المواطن الراشدي يجد إليها سبيلاً بسبب غلائها الفاحش.
فبينما يُفترض أن تكون الرشيدية، عاصمة جهة درعة-تافيلالت، مدينة مُحصَّنة ضد فوضى الأسعار بفضل آليات المراقبة والتدبير الاقتصادي، تحولت أسواقها إلى ساحة مضاربة يسيطر عليها “فراقشية الخضروات” الذين أصبحوا، بحسب مواطنين، “سلطة فوق السلطات” يبيعون المواد الغذائية بالسعر الذي يحددونه دون أي خوف من الرقابة أو المحاسبة.
فجوة 6 دراهم بين الرشيدية والقنيطرة.. أين المنطق؟
الغريب في الأمر، كما يؤكد متتبعون للشأن المحلي، أنه في نفس اليوم كان ثمن البصل في مدينة القنيطرة لا يتجاوز 12 درهماً للكيلوغرام الواحد، ليتفجر السؤال الذي يطرحه كل مواطن بالرشيدية على نفسه: هل إيصال كيلو واحد من البصل من الحاجب إلى الرشيدية يكلف 6 دراهم للكيلوغرام الواحد؟
الجواب، بحسب مراقبين، بسيط ومُحرج في آن واحد: لا، لكن فوضى المراقبة واستقالة القسم الاقتصادي حولت الرشيدية إلى سوق مفتوح للمضاربة، حيث يُباع نفس المنتج بأسعار مختلفة تماماً عن باقي مدن المملكة، دون أي مبرر منطقي أو اقتصادي.
ليبقى السؤال الذي ينتظر الجميع جوابه: لماذا لا تتدخل السلطات المحلية لضبط الأسعار في مدينة تعاني أصلاً من هشاشة اجتماعية واقتصادية؟ وأي حماية للمواطن هذه التي تترك “فراقشية الخضروات” يرفعون الأسعار كما يشاؤون؟
“فراقشية الخضروات”: سلطة موازية تُهدد القدرة الشرائية
ما يزيد من حدة الغضب الشعبي هو التحول الذي طرأ على دور “فراقشية الخضروات” (تجار الجملة والتجزئة) في سوق الرشيدية، حيث أصبحوا، بحسب مصادر محلية، يمارسون ضغوطاً على المزارعين والباعة الصغار لفرض أسعارهم، دون أي رقابة فعالة من المصالح المختصة.
هذا النفوذ الاقتصادي الموازي يطرح إشكاليات وجودية: أين هي لجان المراقبة التي يفترض أن تتدخل لضبط الأسعار ومحاربة المضاربة؟ ولماذا لا تُفعَّل العقوبات القانونية ضد من يثبت تورطه في الاحتكار أو رفع الأسعار بشكل تعسفي؟ وكيف يمكن حماية المواطن بينما تُترك سلاسل التوريد رهينة وسطاء جشعين يرفعون الأسعار في كل مرحلة؟
فتحويل التجارة من نشاط اقتصادي مشروع إلى أداة مضاربة لا يُهدد فقط القدرة الشرائية للأسر، بل يُرسّخ ثقافة الجشع المنظم التي لطالما عانت منها الأسواق المحلية في المغرب.
سوق الجملة: من منظم للأسعار إلى عبء على المواطن
ما يحدث اليوم من فوضى الأسعار يحيلنا إلى الدور الرقابي لسوق الجملة بالرشيدية، وكيف تحول، بحسب متتبعين، إلى عبء على المواطن بعد أن كان الهدف من إنشائه هو ضبط الأسعار والحيلولة دون ارتفاعها، ليصبح هو والعدم سواء.
فبدلاً من أن يكون سوق الجملة منظِّماً يضمن شفافية التسعير وتوازناً بين العرض والطلب، تحول إلى سوق موازٍ يُضخم الأسعار بدلاً من ضبطها، في مشهد يعكس أزمة حكامة خانقة في تدبير القطاع.
والسؤال الاستراتيجي: لماذا لا تُراجع إدارة سوق الجملة آليات عملها لضمان تحقيق الهدف الذي أُنشئ من أجله؟ وأي إصلاح هذا الذي يُبقي على هياكل لا تؤدي وظيفتها الأساسية؟
القسم الاقتصادي وسلطات المراقبة: استقالة أم عجز؟
الجواب، كما يؤكد مواطنون وناشطون، بسيط: القسم الاقتصادي وسلطات المراقبة قد استقالت من مهامها، وتركت المواطن بالرشيدية في مواجهة مباشرة وغير متكافئة مع “فراقشية الخضروات”، الذين أصبحوا يبيعون المواد الغذائية بالسعر الذي يحددونه دون أي خوف من السلطات المحلية.
هذا الوصف القاسي يطرح أسئلة محرجة: أين هي الزيارات الميدانية للمسؤولين الاقتصاديين لمعاينة واقع الأسعار؟ ولماذا لا تُنشر تقارير دورية حول أسعار المواد الأساسية في الرشيدية مقارنة بباقي المدن؟ وكيف يمكن لاستراتيجية المراقبة أن تنجح بينما هي تعتمد على ردود الأفعال بدلاً من الاستباقية؟
واستمرار الصمت الإداري لا يُضعف فقط مصداقية السلطات المحلية، بل يُهدر ثقة الساكنة في قدرة الدولة على حماية قدرتها الشرائية من جشع المضاربين.
ما ننتظره: من “الفوضى” إلى “الرقابة الفعلية”
لم يعد مقبولاً أن تُترك أسعار المواد الأساسية في الرشيدية رهينة “مضاربات الفراقشية” و”صمت المراقبين”، وما يحتاجه المواطنون والمهتمون بالشأن الاقتصادي اليوم هو تدخل عاجل وشخصي من عامل الإقليم والسلطات المحلية لزيارة الأسواق ومعاينة الأسعار بشكل ميداني، مع نشر نتائج الزيارات للرأي العام.
كما يتطلب الأمر تفعيل فوري للجان المراقبة المشتركة (اقتصاد، صحة، جماعات) لضبط الأسعار ومحاسبة من يثبت تورطه في المضاربة أو الاحتكار، بالإضافة إلى مراجعة شاملة لآليات عمل سوق الجملة بالرشيدية، لضمان تحقيق دوره الحقيقي في تنظيم الأسعار وحماية المستهلك.
ويُنتظر أيضاً اعتماد شفافية كاملة في نشر أسعار المواد الأساسية يومياً، مع مقارنة رسمية بأسعار نفس المواد في مدن أخرى لضمان عدالة التسعير، مع إطلاق حملة تحسيسية بالممارسات المشبوهة في سلسلة توزيع الخضر والفواكه، وفتح قنوات شكاية مجانية للمواطنين للإبلاغ عن أي تجاوز.
إما رقابة تُنقذ القدرة الشرائية وإما استمرار في “ثقافة الجشع”
ما تعيشه الرشيدية مع فضيحة أسعار الخضروات ليس تقلّباً موسمياً عادياً، بل هو اختبار لمصداقية الحكامة الاقتصادية وقدرة المسؤولين على تجاوز عقلية المراقبة الشكلية لخدمة المصلحة العامة.
فإما أن تتحرك السلطات المحلية بجدية لضبط الأسعار، ومحاسبة المضاربين، وإعادة الاعتبار لدور سوق الجملة، وإما أن تستمر ثقافة الجشع التي تُحوّل الرشيدية من عاصمة جهة إلى ساحة مضاربة وتُهدر ثقة المواطنين في قدرة الدولة على حماية قوتهم اليومي.
سكان الرشيدية ينتظرون. والبصل ليس سلعة مضاربة والمراقبة ليست ورقة شكلية والمواطن ليس متفرجاً على غلاء يُهدد كرامته، فـ 18 درهماً للبصل ليست سعر سوق والفراقشية ليسوا سلطة موازية والرشيدية تستحق أفضل من فوضى الأسعار.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد