هبة زووم – تنغير
بينما احتضن إقليم تنغير، يومي 4 و5 أبريل الجاري، فعاليات الدورة الثانية من منتدى المضايق والواحات، تحت شعار رنان “السياحة الواحية والجبلية رافعة للتنمية المحلية”، لا يسع المتتبع إلا أن يتساءل: كم دورة نحتاج لنحول الكلام إلى طرق، والتوصيات إلى مشاريع؟
مشهد يجمع نخبة من الباحثين والأكاديميين والخبراء، محليين ودوليين، في قاعات مكيفة، بينما تنتظر الواحات والمضايق خارج الأسوار إنقاذاً ملموساً من شبح الإهمال وضعف البنيات التحتية.
فبينما يتم استحضار تجربة كامينيتو ديل ري بإسبانيا كنموذج لتثمين المواقع الطبيعية، يظل السؤال المعلق: هل يمكن استنساخ نجاحات دولية في إقليم يعاني من فجوة بنية تحتية مزمنة، دون إرادة سياسية حقيقية واستثمارات جادة تتجاوز خطابات المنتديات؟
فتكرار عقد مثل هذه اللقاءات، دون متابعة صارمة لتنفيذ مخرجاتها، يحولها تدريجياً من “أدوات تنمية” إلى “طقوس موسمية” تُرضي الضمير الأكاديمي، لكنها لا تطعم المواطن ولا تشغل الشاب.
وتضمن برنامج المنتدى سلسلة من الندوات الأكاديمية والورشات التطبيقية، تناولت قضايا التدبير المستدام وآليات تطوير العرض السياحي. كلام صحيح، ومنطق سليم، لكن التاريخ المحلي يعلمنا أن “التوصيات” غالباً ما تنتهي في أدراج المكاتب، بينما يستمر الواقع في التدهور.
واحتضن المركز الثقافي بتنغير أشغال اليوم الأول، الذي تميز بتنظيم ورشات علمية ناقشت واقع السياحة بالإقليم وآفاق تطويرها، مع التركيز بشكل خاص على استلهام التجارب الدولية الملهمة.
وقد تم تقديم تجربة “كامينيتو ديل ري” (Caminito del Rey) بإسبانيا كنموذج رائد في تثمين المواقع الطبيعية الصعبة وتحويلها إلى وجهات سياحية عالمية تجذب آلاف الزوار سنوياً، مع الحفاظ على السلامة البيئية.
وعرفت هذه المحطة مشاركة ثلة من الخبراء والباحثين، من ضمنهم محمد نعيم، وهربرت بوب، وفيرجيلو مارتيني، إلى جانب ممثل المندوبية الإقليمية للسياحة وباحثين من جامعات مغربية، حيث قدموا مداخلات متعددة الأبعاد حول التنمية السياحية المستدامة، مسلطين الضوء على أهمية الابتكار في المنتجات السياحية والتسويق الذكي للمقاصد.
وتواصلت أشغال المنتدى في يومه الثاني بجماعة بومالن دادس، من خلال ندوات وورشات متخصصة همّت تثمين الإمكانات السياحية الطبيعية ورصد التحديات المرتبطة بالبنيات التحتية والترويج السياحي وحكامة القطاع.
وأجمع المشاركون على أن إقليم تنغير، رغم مؤهلاته الاستثنائية التي تجمع بين جمال المضايق وخصوبة الواحات وغنى التراث الثقافي الأمازيغي، لا يزال يواجه تحديات هيكلية تعيق استفادته الكاملة من عوائد السياحة، من بينها ضعف بعض البنيات التحتية، والحاجة إلى تأهيل العنصر البشري، وضرورة تطوير استراتيجيات ترويجية تستهدف أسواقاً جديدة.
واختتمت الفعاليات بجلسة ختامية خُصصت لتقديم التوصيات، التي خلصت إلى مقترحات عملية لتعزيز جاذبية الإقليم كوجهة سياحية واعدة. وشملت هذه التوصيات:
– تثمين الرأسمال الطبيعي والثقافي: اعتماد مقاربات سياحية تحترم البيئة وتستلهم من التراث المحلي في تصميم المنتجات السياحية، تحسين
– البنيات التحتية: الاستثمار في الطرق والولوجيات والمرافق السياحية الأساسية لتسهيل تنقل الزوار وتحسين تجربتهم.
– التكوين والتأهيل: تعزيز برامج تكوين العنصر البشري المحلي في مهن السياحة والخدمات لضمان جودة الاستقبال.
– الترويج الذكي: تطوير استراتيجيات تسويقية رقمية تستهدف السياح المهتمين بالسياحة البيئية والمغامرة والثقافية.
– حكامة تشاركية: إشراك الفاعلين المحليين والجمعيات والمجتمع المدني في تدبير وتطوير القطاع السياحي لضمان استدامته.
ويشكل منتدى المضايق والواحات بتنغير محطة هامة لتبادل الخبرات وتلاقح الرؤى، في أفق بناء نموذج سياحي مبتكر يستند إلى تثمين الرأسمال الطبيعي والثقافي الفريد للإقليم، ويستجيب لتحديات التنمية المحلية بالمجالات الواحية والجبلية.
غير أن التحدي الحقيقي يبقى في ترجمة هذه التوصيات إلى أفعال ملموسة على الأرض، عبر شراكة فعالة بين السلطات المحلية والجهات المختصة والفاعلين الترابيين. فتنغير، بواحاتها ومضايقها وتراثها العريق، تستحق أن تكون في صدارة الوجهات السياحية المستدامة بالمغرب، شرط توفر الإرادة السياسية والموارد الكافية لتحويل الطموح إلى واقع.
تعليقات الزوار