هبة زووم – تنغير
في زمن تُصبح فيه اللجان هدفاً بحد ذاتها، والتوصيات مجرد أوراق أنيقة تُحفظ في الأدراج، تتحول قضية التعليم القروي بتنغير من أولوية وطنية إلى نموذج صارخ للجمود المؤسسي والوعود المؤجلة.
مشهد لا يُثير فقط استياء الأسر، بل يطرح سؤالاً وجودياً مُحرجاً: إذا كان الاجتماع يُكرر نفس التشخيص سنة بعد سنة، فكيف ننتظر منه حلاً لأزمة تتفاقم؟ وأي إرادة إصلاح هذه التي تسمح لطقوس التشخيص بأن تُغرق تلاميذ العالم القروي في بحر من الانتظار الممنهج؟
فبينما تحتضن عمالة إقليم تنغير اجتماعات تقييمية للجنة الإقليمية للتعليم، لا يزال التلميذ القروي ينتظر قسطاً واحداً من الدعم الفعلي يُغير واقع تمدرسهِ.
سؤال بسيط لكنه قاسٍ: إلى متى سيستمر عبث المحاضر بينما يُترك التلميذ يتفرج على مستقبله وهو يضيع؟ وأي حكمة تدبير هذه التي تُحوّل آلية التنسيق من أداة إنجاز إلى منبر لتكرار الشكاوى؟
ففي مشهد يتكرر مع كل محطة تقييمية لقطاع التعليم، احتضنت عمالة إقليم تنغير اجتماعاً للجنة الإقليمية للتعليم، خُصص لتدارس واقع خدمات الدعم المدرسي بالوسط القروي، واستعراض سبل تطويرها.
غير أن هذا اللقاء، رغم أهميته الظاهرية، يطرح مجدداً سؤال الجدوى: هل نحن أمام إرادة حقيقية للإصلاح، أم مجرد حلقة جديدة في سلسلة الاجتماعات التي لا تتجاوز حدود التشخيص؟
الاجتماع، الذي ترأسه عامل الإقليم إسماعيل هيكل، وعرف حضور عدد من المتدخلين والشركاء المؤسساتيين، يأتي في سياق تنزيل التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى تحقيق العدالة المجالية وضمان تكافؤ الفرص في الولوج إلى التعليم، إضافة إلى تفعيل مقتضيات الرؤية الاستراتيجية 2015-2030.
غير أن المفارقة الصارخة تكمن في أن واقع المدرسة القروية بالإقليم لا يزال بعيداً عن هذه الأهداف المعلنة، حيث تستمر معاناة التلاميذ مع ضعف البنيات التحتية، وغياب التأطير الكافي، وصعوبات الولوج، فضلاً عن محدودية خدمات الدعم المدرسي التي يُفترض أن تشكل صمام أمان للحد من الهدر المدرسي.
وقد استُهل اللقاء بعرض السياق العام لإحداث اللجنة الإقليمية للتعليم، باعتبارها آلية للتنسيق بين مختلف الفاعلين، غير أن هذا التنسيق يظل، في نظر العديد من المتتبعين، حبيس الأوراق والتوصيات، في ظل غياب أثر ملموس على أرض الواقع، فكم من لجنة أُحدثت، وكم من اتفاقية وُقعت، دون أن تُحدث الفرق المنشود في حياة التلاميذ بالعالم القروي؟
المشاركون ناقشوا أيضاً مضامين الاتفاقية الخاصة بتعزيز خدمات الدعم المدرسي، مؤكدين على ضرورة اعتماد مقاربة استهداف دقيقة، وهو طرح يبدو منطقياً نظرياً، لكنه يصطدم عملياً بإكراهات التنفيذ، من قبيل ضعف الموارد البشرية، وقلة الوسائل اللوجستيكية، وغياب آليات التتبع والتقييم الصارم.
التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في تشخيص الأعطاب، فهذه باتت معروفة ومتكررة، بل في القدرة على الانتقال من منطق الاجتماعات إلى منطق الإنجاز، ومن لغة التوصيات إلى فعل ميداني يلمسه التلميذ في قسمه اليومي.
ففي الوقت الذي تُرفع فيه شعارات تكافؤ الفرص، لا يزال تلاميذ العالم القروي بتنغير يواجهون مسارات تعليمية غير متكافئة، تُهدد مستقبلهم وتكرّس الفوارق المجالية، ما يجعل من أي حديث عن إصلاح دون إجراءات ملموسة مجرد ترف مؤسساتي لا يغيّر من الواقع شيئاً.
أمام هذا الوضع، يبقى الرهان الحقيقي هو مدى قدرة اللجنة الإقليمية على كسر حلقة التشخيص المزمن، والانتقال نحو قرارات جريئة تُترجم على الأرض، لأن الزمن التربوي لا ينتظر، ومستقبل آلاف التلاميذ لا يحتمل مزيداً من التأجيل.
تعليقات الزوار