هبة زووم – الرشيدية
في مفارقة صادمة تكاد تكون “سوريالية”، تجد المديرية الجهوية للمياه والغابات بدرعة تافيلالت نفسها اليوم في قلب عاصفة اتهامات تمس جوهر رسالتها: حماية الملك العمومي والموارد الطبيعية.
فبينما يُفترض أن يكون “المسؤول الغابوي” حارساً للأشجار وحامياً للبيئة، يُتهم اليوم رئيس مصلحة الإدارة والمالية بالمديرية بهدم جزء من مقر عمومي لبناء سكن خاص، وقطع أشجار المشتل الغابوي والتصرف فيها دون وجه حق.
سؤال بسيط لكنه قاسٍ: إذا كان حامي الغابة يتحول إلى مخربها، فكيف ننتظر منه أن يحمي التراث الطبيعي للمغرب؟ وأي حكمة تدبير هذه التي تسمح بعبث المتنفذين تحت أعين الرقابة؟
فبينما تُراهن الوكالة الوطنية للمياه والغابات على شعارات الحماية، يجد المواطن نفسه أمام وقائع مدمرة: مقر دولة يُهدم، أشجار تُقطع، موارد تُباع، وصمت يُغذي الشكوك، سؤال يُعيد طرح إشكالية جوهرية: إذا كانت القوانين الغابوية مُلزمة، فلماذا تظل حبراً على ورق أمام نفوذ المسؤولين؟
وفي هذا السياق، فجرت مراسلة رسمية معطيات مثيرة للقلق داخل المديرية الجهوية للمياه والغابات بدرعة تافيلالت، بعدما طفت إلى السطح اتهامات خطيرة تطال مسؤولاً إدارياً، يُشتبه في تورطه في ممارسات قد ترقى إلى مستوى خروقات قانونية جسيمة تمس بالممتلكات العمومية وتضرب في العمق مبادئ الحكامة الجيدة.
وبحسب المراسلة – التي وضعت على مكتب المدير العام للوكالة الوطنية للمياه والغابات والتي تتوفر هبة زووم على نسخة منها – فإن رئيس مصلحة الإدارة والمالية بالمديرية الجهوية لدرعة تافيلالت أقدم على هدم جزء من مقر المديرية الإقليمية بالرشيدية، في خطوة وُصفت بالمثيرة للاستغراب، من أجل تشييد سكن خاص يُعتقد أنه موجه لاستفادته الشخصية، دون احترام المساطر القانونية المعمول بها، ودون الحصول على التراخيص الضرورية أو اعتماد تصاميم هندسية مصادق عليها.
هذا السلوك، الذي وقف على حيتياته قائد المنطقة بعد زيارته للموقع يوم 18 من الشهر الجاري، يطرح تساؤلات حادة حول مدى احترام حرمة الملك العمومي، وكيف يمكن لمسؤول إداري أن يتصرف في بناية تابعة للدولة وكأنها ملك خاص.
هذا، ولم تتوقف الشبهات عند هذا الحد، بل امتدت إلى ما يشبه “مجزرة بيئية” داخل فضاء الإدارة نفسها، حيث تشير المعطيات إلى قطع عدد كبير من الأشجار داخل المشتل الغابوي ومحيط المديرية، دون أي سند قانوني أو دفتر تحملات، وفي تجاهل تام للقوانين المنظمة للقطاع الغابوي.
الأخطر من ذلك، هو ما يُروج حول بيع هذه الأشجار لجهة خاصة، في مشهد يثير أكثر من علامة استفهام حول كيفية تدبير الموارد الطبيعية داخل مؤسسة يُفترض أن تحميها.
في مقابل خطورة هذه المعطيات، يُسجَّل غياب أي توضيح رسمي من الجهات المعنية، ما يزيد من منسوب الشكوك، ويُغذي فرضيات وجود اختلالات أعمق في تدبير هذا المرفق العمومي.
ويرى متتبعون أن الصمت في مثل هذه القضايا لا يخدم صورة المؤسسات، بل يُكرّس فقدان الثقة ويُعطي الانطباع بوجود تساهل مع ممارسات غير قانونية.
أمام هذه الوقائع، تتعالى الأصوات المطالبة بفتح تحقيق إداري وقضائي عاجل لتحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات اللازمة، خاصة وأن الأمر يتعلق بممتلكات عمومية وموارد طبيعية لا تقبل العبث.
ما يجري اليوم يضع الجهات الوصية أمام اختبار حقيقي: إما التدخل الحازم لحماية المال العام وفرض احترام القانون، أو ترك الباب مفتوحاً أمام ممارسات قد تحول الإدارة إلى مجال للاستغلال بدل خدمة الصالح العام.
تعليقات الزوار