ميدلت: شباب أملشيل ينتفضون ضد التهميش والعامل فاضل في قلب الانتقادات

هبة زووم – محمد خطاري
لم يكن خروج شباب أملشيل وساكنة دوار تيلمي إلى الشارع في مسيرة احتجاجية سلمية مجرد تعبير عابر عن مطالب اجتماعية ظرفية، بل جاء بمثابة صرخة قوية في وجه سنوات من التهميش والعزلة وفشل السياسات التنموية التي كان يفترض أن تغير وجه واحدة من أكثر المناطق الجبلية هشاشة بإقليم ميدلت.
فالاحتجاجات التي هزت المنطقة خلال الأيام الأخيرة لم تطرح فقط مطالب مرتبطة بالطرق والاتصالات وفرص الشغل والخدمات الأساسية، بل أعادت إلى الواجهة أسئلة عميقة حول حصيلة التدبير التنموي بالإقليم، ومدى نجاح السلطات الإقليمية في تنزيل البرامج العمومية التي رصدت لها اعتمادات مالية مهمة خلال السنوات الماضية.
وفي هذا السياق، أعلن الائتلاف المدني من أجل الجبل تضامنه المطلق مع ساكنة دوار تيلمي وعموم شباب وسكان جماعة أملشيل، معتبرا أن المطالب المرفوعة تعكس حجم المعاناة اليومية التي تعيشها الساكنة نتيجة استمرار مظاهر الهشاشة وضعف البنيات التحتية وغياب العدالة المجالية.
وأوضح الائتلاف أن المسيرة الاحتجاجية جاءت بعد سلسلة من اللقاءات والحلقيات الشبابية التي دقت ناقوس الخطر بشأن تدهور الأوضاع بالمنطقة، حيث ما تزال ساكنة أملشيل تعاني من طرق مهترئة ومسالك صعبة وانقطاعات متكررة لشبكات الاتصال والإنترنت، فضلا عن تفشي البطالة وغياب البدائل الاقتصادية القادرة على تثبيت الشباب بأرضهم.
غير أن ما يثير الانتباه أكثر هو أن هذه الاحتجاجات تأتي في إقليم استفاد، على غرار باقي أقاليم المملكة، من عشرات المشاريع والبرامج التنموية الممولة من ميزانيات الدولة ومن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وهي البرامج التي كان من المفترض أن تساهم في فك العزلة وتقليص الفوارق المجالية وتحسين ظروف عيش الساكنة.
لكن الواقع الذي كشفته احتجاجات إملشيل يبدو مختلفا تماما عن الخطابات الرسمية والتقارير الإدارية. فحين يضطر شباب الجبل إلى قطع الكيلومترات للاحتجاج من أجل طريق أو شبكة اتصال أو فرصة عمل، فإن ذلك يشكل مؤشرا واضحا على أن جزءا مهما من أهداف التنمية المعلنة لم يتحقق بالشكل المطلوب.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن ما تعيشه إملشيل اليوم يضع حصيلة العامل عبد الوهاب فاضل أمام اختبار حقيقي، خاصة أن الساكنة لا تقيم المسؤولين بالبلاغات والبرامج المسطرة على الورق، بل بما يلمسونه يوميا من تحسن في أوضاعهم المعيشية، وعندما تستمر دواوير ومناطق كاملة في مواجهة العزلة والهشاشة، فإن السؤال يصبح مشروعا حول جدوى السياسات المعتمدة ومدى فعاليتها في تحقيق التنمية المنشودة.
كما تعيد هذه الاحتجاجات فتح النقاش حول مآل المشاريع المنجزة في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وحول مدى انعكاس الاعتمادات المالية المرصودة على الواقع الاجتماعي والاقتصادي للمناطق الجبلية بالإقليم.
فالمبادرة التي أُطلقت لمحاربة الفقر والهشاشة والإقصاء الاجتماعي مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتقديم حصيلة واضحة وملموسة أمام المواطنين الذين لا يزالون يطالبون بأبسط شروط العيش الكريم.
وتزداد هذه التساؤلات حدة في ظل استمرار الفوارق المجالية الصارخة بين عدد من مناطق الإقليم، حيث يشعر سكان الجبل بأنهم خارج دائرة الأولويات التنموية، رغم ما يزخر به مجالهم من مؤهلات طبيعية وسياحية وثقافية كان من الممكن أن تتحول إلى رافعة حقيقية للتنمية المحلية.
ومن هنا، يرى عدد من الفاعلين الجمعويين والحقوقيين أن المرحلة الحالية تستدعي إخضاع مختلف البرامج والمشاريع المنجزة بالإقليم، بما فيها تلك الممولة في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إلى تقييم موضوعي وافتحاص شامل لقياس أثرها الحقيقي على حياة المواطنين، بعيدا عن لغة الأرقام والإنجازات الورقية.
فالاحتجاجات التي خرجت من تيلمي وأملشيل لا تعبر فقط عن مطالب محلية محدودة، بل تكشف أزمة أعمق ترتبط بمدى نجاح الدولة في تحقيق العدالة الترابية والإنصاف المجالي داخل المناطق الجبلية، كما تضع مختلف المتدخلين، من سلطات ومنتخبين ومؤسسات عمومية، أمام مسؤولياتهم السياسية والأخلاقية والتنموية.
واليوم، لم تعد ساكنة أملشيل تطالب بالمستحيل، بل بحقوق دستورية أساسية تتمثل في الطريق والشغل والاتصال والصحة والتعليم والكرامة، وهي مطالب بسيطة في ظاهرها، لكنها تكشف في عمقها حجم الاختلالات التي ما تزال تعاني منها مناطق واسعة من إقليم ميدلت، وتؤكد أن معركة التنمية الحقيقية لم تبدأ بعد، رغم الملايير التي صرفت والبرامج التي تم الإعلان عنها على امتداد سنوات طويلة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد