رقمنة التعاونيات بالمغرب.. هل تكفي المنصات الإلكترونية لإخراج القطاع من أزماته؟

هبة زووم – الرباط
يواصل مكتب تنمية التعاون الترويج لمرحلة جديدة عنوانها الرقمنة وتحديث خدمات مواكبة التعاونيات، عبر إطلاق حزمة من المنصات الرقمية التي تشمل تأسيس التعاونيات إلكترونياً، والتكوين عن بعد، والتسويق الرقمي، وإدارة قواعد البيانات، في خطوة تقدمها الحكومة باعتبارها مدخلاً لتطوير الاقتصاد الاجتماعي والتضامني وتعزيز مساهمته في التنمية الوطنية.
وخلال اجتماع مجلس إدارة المكتب المنعقد بالرباط برئاسة كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، لحسن السعدي، تم الكشف عن معالم استراتيجية جديدة تقوم على الرقمنة باعتبارها ركيزة لتحديث تدبير القطاع وتحسين حكامته، من خلال إحداث منصات متخصصة لتبسيط المساطر، وإطلاق سوق إلكترونية لتسويق منتجات التعاونيات، ومنصة للتكوين، إضافة إلى نظام معلوماتي يروم توفير قاعدة بيانات دقيقة حول القطاع.
ورغم أهمية هذا التوجه، يرى متابعون أن نجاح التحول الرقمي لا يقاس بعدد المنصات التي يتم إطلاقها، بل بمدى قدرتها على معالجة الإشكالات البنيوية التي تعاني منها آلاف التعاونيات، والتي لا تزال تواجه صعوبات في التمويل، وضعف التأطير، ومحدودية التسويق، وهشاشة الحكامة، فضلاً عن التفاوت الكبير في الولوج إلى الوسائل الرقمية بين العالمين الحضري والقروي.
فالأرقام التي قدمها المكتب، والتي تشير إلى بلوغ عدد التعاونيات أكثر من 69 ألف تعاونية تضم ما يزيد على 825 ألف منخرط، تعكس توسعاً كمياً واضحاً، لكنها لا تجيب عن سؤال أكثر أهمية يتعلق بمدى استدامة هذه التعاونيات، وحجم مساهمتها الفعلية في خلق الثروة وفرص الشغل، ومدى استمرار نشاطها بعد سنوات من التأسيس.
ويؤكد عدد من المهتمين بالاقتصاد الاجتماعي أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إحداث تعاونية جديدة بضغطة زر عبر منصة رقمية، وإنما في ضمان قدرتها على الإنتاج والتسويق وتحقيق الاستقلال المالي، لأن عدداً مهماً من التعاونيات لا يزال يعاني من ضعف المواكبة بعد مرحلة التأسيس، ويجد نفسه عاجزاً عن الولوج إلى الأسواق أو مواجهة المنافسة.
كما أن إطلاق سوق إلكترونية لتسويق المنتجات يمثل خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لكنه يظل رهيناً بجودة المنتجات، واحترام معايير الجودة، وتوفير خدمات النقل واللوجستيك، وبناء علامات تجارية قادرة على المنافسة، إذ إن المنصة الرقمية وحدها لا تكفي لخلق سوق ناجحة إذا لم تكن المنتجات نفسها مؤهلة لتلبية متطلبات المستهلكين.
ويطرح مشروع الرقمنة أيضاً تحدياً آخر يتمثل في الفجوة الرقمية، خاصة بالنسبة للتعاونيات القروية التي تضم نساءً وشباباً قد يفتقرون إلى التكوين الرقمي أو إلى البنيات الأساسية للاتصال، وهو ما يفرض مواكبة ميدانية حقيقية حتى لا تتحول الرقمنة إلى امتياز تستفيد منه تعاونيات دون أخرى.
وفي الوقت الذي تراهن فيه الحكومة على رفع مساهمة الاقتصاد الاجتماعي والتضامني إلى 8 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي وإحداث 50 ألف منصب شغل سنوياً في أفق 2035، يبقى تحقيق هذه الأهداف مرتبطاً بإصلاحات أعمق تتجاوز الرقمنة، لتشمل تحسين الولوج إلى التمويل، وتطوير سلاسل الإنتاج، وتعزيز الحكامة، وفتح أسواق جديدة أمام التعاونيات.
وبذلك، فإن المنظومة الرقمية الجديدة تمثل فرصة مهمة لتحديث القطاع، لكنها لن تحقق النتائج المعلنة إذا ظلت الرقمنة غاية في حد ذاتها، بدل أن تكون أداة ضمن رؤية شاملة تعالج الاختلالات الهيكلية التي تعيق تطور التعاونيات، وتحول دون انتقالها من مشاريع صغيرة تعتمد على الدعم إلى فاعل اقتصادي حقيقي يساهم في التنمية وخلق القيمة المضافة.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد