هبة زووم – القنيطرة
لم تكن صناديق الاقتراع بجماعة سيدي الطيبي، ضواحي القنيطرة، سخية مع حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود المجلس الجماعي برئاسة سعيد حروزة، بعدما لم تتجاوز حصيلته في الانتخابات التشريعية حوالي 700 صوت، في مقابل تقدم حزب العدالة والتنمية بنحو 2000 صوت، فيما سجلت الحركة الديمقراطية الاجتماعية بدورها أكثر من 700 صوت، وفق المعطيات المتداولة حول نتائج الاقتراع.
أرقام قد تبدو، للوهلة الأولى، مجرد نتيجة انتخابية عابرة، لكنها تصبح أكثر إثارة للأسئلة عندما يتعلق الأمر بجماعة يقودها منتخب باسم حزب الأحرار، خصوصاً أن الحزب دخل الاستحقاق التشريعي وهو يستند إلى حضور عدد من المنتخبين ورؤساء الجماعات بالإقليم ضمن حملته الانتخابية.
والسؤال الذي تفرضه هذه الحصيلة، دون الحاجة إلى تضخيمها أو تحويلها إلى حكم نهائي، هو: أين يوجد الرصيد الانتخابي للأحرار داخل سيدي الطيبي؟
فحصول العدالة والتنمية على حوالي 2000 صوت، مقابل قرابة 700 للأحرار، يفتح الباب أمام قراءة سياسية لا يمكن تجاهلها، خاصة أن حزب المصباح كان جزءاً من التحالف الذي مكّن سعيد حروزة من الوصول إلى رئاسة الجماعة سنة 2023.
فحروزة لم يصل إلى الرئاسة آنذاك بأصوات حزبه وحدها، بل حصل على 17 صوتاً مقابل 11 لمنافسه، في سياق تحالف جماعي ضم عدة مكونات سياسية، بينها العدالة والتنمية.
وهنا تبدأ المفارقة، فحزب يقود الجماعة، ورئيس يمتلك موقعاً مؤسساتياً محلياً، ثم يجد نفسه أمام حصيلة انتخابية محدودة في عقر داره السياسية.
هل يتعلق الأمر بتصويت احتجاجي؟ أم بتغير في ولاءات الناخبين؟ أم بأن الانتخابات التشريعية لها منطق مختلف تماماً عن الانتخابات الجماعية؟
لا يمكن الجزم بأي من هذه الفرضيات دون معطيات مقارنة حول نسب المشاركة، ونتائج الانتخابات السابقة، وتوزيع الأصوات على مكاتب التصويت، وطبيعة المرشحين والحملات الانتخابية. لكن المؤكد أن الرقم المسجل للأحرار في سيدي الطيبي لا يسمح بتمرير النتيجة وكأن شيئاً لم يحدث.
فالانتخابات، في نهاية المطاف، ليست مجرد أرقام تُجمع ثم تُطوى صفحاتها، وإنما هي أيضاً مؤشر على حجم الثقة التي تستطيع الأحزاب والمنتخبون الحفاظ عليها داخل المجال الترابي.
والأكثر إحراجاً بالنسبة لحروزة أن وصوله إلى رئاسة الجماعة سنة 2023 رافقته وعود بالعمل على التنمية وتحسين تدبير الشأن المحلي، ضمن تحالف قيل وقتها إنه جاء لتجاوز الحسابات الضيقة ووضع برنامج لتنمية الجماعة وخدمة سكانها.
وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات، تأتي صناديق التشريعيات لتطرح السؤال من جديد: هل استطاع التدبير الجماعي أن يتحول إلى رصيد سياسي وشعبي؟ أم أن الرئاسة بقيت أقوى داخل تركيبة المجلس من حضور الحزب لدى الناخبين؟
المفارقة الأخرى أن العدالة والتنمية، الذي ساهم في وصول حروزة إلى كرسي الرئاسة، يسجل اليوم حضوراً انتخابياً يفوق بكثير الحصيلة التي حققها الحزب الذي ينتمي إليه رئيس الجماعة، وفق الأرقام المتداولة.
وهذا لا يعني بالضرورة أن سكان سيدي الطيبي صوّتوا ضد حروزة، ولا أن الانتخابات التشريعية كانت استفتاءً على أدائه. لكن من الصعب أيضاً تجاهل الرسالة السياسية التي تحملها الأرقام، خصوصاً إذا تأكدت بعد التدقيق الرسمي في النتائج وتفاصيلها.
فالاستحقاقات المقبلة ستضع الأحزاب والمنتخبين أمام امتحان مختلف: الحصيلة، والمشاريع، والخدمات، والتواصل مع السكان، ومدى القدرة على تحويل الوعود الانتخابية إلى واقع ملموس.
وفي هذه المعادلة، لن يكون كافياً بالنسبة للأحرار أن يفسروا النتيجة باختلاف طبيعة الانتخابات. المطلوب، سياسياً، هو قراءة مكامن التراجع: هل هناك خلل تنظيمي؟ هل تراجعت تعبئة القواعد؟ هل ظهرت قوى منافسة أكثر حضوراً؟ أم أن هناك ببساطة تحوّلاً في اختيارات الناخبين؟
أما بالنسبة لسعيد حروزة، فإن نتيجة 23 شتنبر لا تعني سقوطه من رئاسة الجماعة، ولا تسمح باستباق الانتخابات الجماعية المقبلة، لكنها تضع رصيده السياسي أمام اختبار حقيقي ومبكر، فالرئاسة تُحسم داخل المجلس، أما الشرعية السياسية المتجددة فتحتاج إلى ما هو أكثر من الأصوات داخل قاعة الاجتماعات.
وفي سيدي الطيبي تحديداً، يبدو أن صناديق 23 شتنبر قد فتحت باباً واسعاً للأسئلة: هل يملك الأحرار قاعدة انتخابية حقيقية قادرة على الصمود، أم أن جزءاً من قوته السابقة كان مرتبطاً بتوازنات وتحالفات انتخابية وجماعية قابلة للتغير؟ ذلك هو السؤال الذي لن تجيب عنه البيانات الصحفية ولا الخطابات الحزبية، وإنما ستتكفل به نتائج الاقتراعات المقبلة.
تعليقات الزوار