إعلام النفخ
محمد المودني
في الوقت الذي نرى ونسمع الإعلام بكل أطيافه في العالم بأسره (حتى في أحدث وفي أفقر دوله ) يتحسن ويتطور من جيد إلى أجود على مدار الساعة واليوم والشهر والسنة ، سياسة وتخطيطا وشكلا ومضمونا ، نجد إعلامنا بكل مكوناته – مع الأسف الشديد مثله مثل كل القطاعات في بلادنا – مازال متشبثا ، بإصرار وعناد شديدين وعن قصد وترصد ، بالتخلف ومسبباته وغارقا في النمطية حتى وريديه .
يدار ويسير ويشتغل ويتعامل بعقلية بدائية ، يجتر نفسه منذ أن أسس إلى اليوم بمفاهيم وأفكار وبآليات وأداوات جد تقليدية .
.
لا يتحدث إلا لنفسه ولا يعبر إلا عنها .
هي جملة نظريات وقواعد وخطوط التي قام بها وعليها وبينها إعلامنا لم تتجدد ولا تتغير رغم تغير أشخاصه بعد طول مقامهم ، ولم تتطور رغم تطور المجتمع ولا تتحسن رغم تحسن درجة وعيه :
نفس الفلسفة ونفس التوجهات ونفس التقنيات ونفس المخططات ونفس المواضيع ، بل وحتى نفس الأساليب والمفردات والكلمات ظل يتنفسها ويدور بها ولها وتحتها وحولها في يقظته ومنامه منذ يوم ميلاده .
والغريب في غرائب إعلامنا الرسمي – الذي هو قاطرة كل عناوين الإعلام في بلدنا السعيد – هو أن حتى مواقع وبنايات مؤسساته لم تتحرك قيد أنملة لا صعودا ولا قدما حيث مازالت مدسوسة ومختبئة بين الدروب والأزقة مركونة في زوايا التخلف والبؤس .
بحكم تطوره المتسارع كما وكيفا وتصاعد قوة تأثيره المباشر والفوري على الإنسان وعيشه وتعايشه في كل الدول المتنورة والمتحضرة والراغبة في التنور والتحضر والسائرة بصدق وثبات إليهما ، عريقة كانت أم حديثة العهد بالوجود ، فالإعلام لم يعد فقط سلطة رابعة – التي مازال إعلامنا يسمع عنها من وراء الفج البعيد ويجهل معناها في اللغة وفي الاسطلاح – بل تجاوزها بجودة مهنيته ، وفرض نفسه بصدقه ومصداقيته وسرعة أدائه على كل السلط والمؤسسات ، وأصبح هو الموجه والمرشد الرئيس للمجتمعات ولسياسات قياداتها :
فهو يقوم بأدوار دبلوماسية واقتصادية واجتماعية وأمنية في غاية الخطورة وعلى درجة عالية من الأهمية لخدمة أوطانه .
وأما إعلامنا بكل مكوناته فمازال كما أنشئ أول مرة مجرد آلة نفخ هوائية تقليدية متهالكة ليس إلا :
ينفخ في العقول الميتة والجثث الهامدة التائهة بين تضاريس هذا الزمن الرديء .
.
ينفخ في الباطل ، بالكذب والتضليل والنفاق ، لتطهيره ونصرته ونشره وتعظيم صاحبه وتوشيحه وتكريمه ، ولإزهاق الحق ومكافحته وإدانة صاحبه ومطاردته .
كل شيء في العالم نراه ونسمعه ينصلح حاله ، ويتغير بالأحسن ويتجدد بالأفضل على رأس كل ساعة بما في ذلك الإعلام إلا نحن المغاربة بعقليتنا وإعلامنا وكل ماهو فينا ومنا وإلينا .
.
على العهد باقون ، ببدائيتنا متشبثون وعلى التخلف ثابتون صامدون .
الإعلام في هذا العصر الصاخب الهائج طوى العالم كله ببره وبحره وفضائه القريب والبعيد آلاف الطيات إلى أن حشره في أضيق زاوية من زوايا المكتب والسيارة والمقهى والمطبخ .
.
بل دسه حتى تحت أزرار أصغر هاتف نقال .
الإعلام في عالمنا الضيق الوهاج هذا أصبح وأمسى هو مقياس تحضر وتقدم أو بدائية وتخلف الأمم بأفرادها وجماعاتها :
فعلى كل من أنيطت به مسؤولية تسيير هذه البلاد ( بالحق أو بالباطل ) في ومن أي موقع وبأية صفة إعادة النظر في فلسفته الإعلامية الصدئة ، والاعتراف بالأدوار الطلائعية للإعلام بكل مكوناته وتفاصيله والاهتمام به أكثر وأعظم بالعمل الصادق الجاد على تطويره وتقويته بداية من تفكيك طلاسيم قيوده وإطلاق صراحه السياسي والفكري والإداري والمالي ، مع مراقبته من بعيد مراقبة مهنية مشروعة ومهذبة حتى لا يغرق ويغرق معه البلاد في الفوضى والتسيب والفساد والانحطاط .
.
وعلى كل الإعلاميين ومعاونيهم أن يطهروا أرواحهم قبل أجسادهم ويخرجوا أنفسهم ومهنيتهم من دائرة الصراعات السلبية والمتوحشة ويطوروا ، بالاجتهاذ النافع ، أنفسهم خلقا ( بضم الخاء ) أولا وأداء ثانيا .
ويبدعوا إبداعا نبيلا ويتنافسوا فيه تنافسا نزيها وشريفا حتى يجعلوا من الإعلام سلطة قوية تهابها كل السلط ، تكون في خدمة الشعب والوطن .
.
” والرزاق الله ” .
– محمد المودني – فاس