المجتمع المدني بالمغرب.. في مفترق الطرق؟

جمال الهاشمي

كما هو شأن العديد من القضايا في مغربنا الجديد فإن مسألة المجتمع المدني وهو المجال الأكثر حيوية و أهمية نظرا لارتباطه المباشر بحركية المجتمع و فاعليته تجاه كل قضاياه ومشاكله وتحدياته وأهدافه، فإنه بدوره كان و لا يزال يعيش على إيقاع عدة مشاكل و رهانات كما أنه أصبح يعرف مستجدات حقيقية أتى بها الدستور الجديد بهدف تطويره وإعطائه الموقع المناسب و المكانة الأجدر.

لكن إزاء هذه المستجدات الدستورية – الذي بوأته أهمية معتبرة كقوة اقتراحية و مشاركة في القرار بشأن القضايا المهمة للمجتمع- إزاء ذلك فقد تنوعت الأفهام و اختلفت الآراء وهو ما يفسر حصول أكثر من مجرد اختلاف بخصوص مضامين الحوار الوطني حول المجتمع المدني والذي جاءت به الوزارة المكلفة بالعلاقات مع البرلمان و المجتمع المدني، هكذا انبرت مجموعة من الفعاليات المدنية ضمن ما يسمى بالجمعيات الديمقراطية لتصل بالاختلاف حول بعض النقاط إلى درجة الخلاف بل الشرخ معتبرة أن الوزارة إنما أتت لتفرض الوصاية على المجتمع المدني باسم الدستور وفق حوار توجيهي كما سجلت هذه الجمعيات في النداء الذي أطلقته من الرباط بعيد انطلاق الحوار الوطني في شهر مارس 2013 بعض الهنات في استراتيجية حوار الوزراة، فمنها مثلا غلبة الجانب التقني والتنشيط الترابي على جانب الحوار الوطني الفعلي وعلى جودته، ورشات جد عادية ولا تسمو إلى مستوى الرهان المجتمعي، معلومات تقريبية تستند عليها اللقاءات وهي هشة جدا، أما القيم فهي ليست حاضرة بقوة و بالمقابل هناك روتنة مسألة القيم و تغييبها كأنها مسألة هامشية وما يسجل حسب إعلان الرباط أن الحوار الوطني و كأنه ينطلق من الصفر دون مراعاة التراكم الذي حققته الحركة الجمعوية الديمقراطية و هذا على حد قول الاستاذ عبد الله ساعف أحد أهم قيادات نداء الرباط، مشيرا إلى أن الحوار الوطني لم يصل إلى درجة الانصات لعدد كبير من فعاليات الحركة الجمعوية كما هو الشأن في الحوار الموازي، كما حذر الاستاذ ساعف مما أسماه بالدولنة Etatisation ووضع المجتمع المدني تحت تأثير السياسات العمومية والتي هي في نهاية الامر عابرة، كما شدد على مسألة المسافة الواجب احترامها في إطار استقلالية المجمتع المدني

وهكذا شهدت المناظرة الوطنية للجمعيات ببوزنيقة أيام 29- نونبر 30 و فاتح دجنبر 2013، تكريس هذا المفهوم حيث استعمل المتدخلون في أكثر من مناسبة كلمة الصراع و المعركة في إفصاح عن نية هذه الجمعيات الاصطفاف الواضح ضد مشروع الوزارة.

لكن هذا الموقف قد يفسر بعدة أوجه لعل من بينها وهو ما كان يدور في كواليس أشغال المناظرة و على موائد الطعام و في أماكن الإقامة إذ زعم عدد من المشاركين من مختلف الجمعيات أن الجهات المنظمة لهذه المناظرة -الناجحة تقنيا على الأقل بكل تأكيد- هذه الجهات قد تكون لها أهداف و أجندات دخيلة وقفت وراءها نيات اخرى.

فذهب بعض المشاركين إلى التساؤل حول جدوى الحوار الموازي لحوار وطني كان مفتوحا للجميع ونصب على رأسه لجنته العليا شخصية وطنية معروفة هي محايدة الآن دون أن ننسى أنها ذات توجهات يسارية تقدمية معروفة و يتعلق الأمر بالأستاذ اسماعيل العلوي.

وجدير بالقول أن مبادرة الوزارة مدعمة بأكثرية الجمعيات و فعاليات المجتمع المدني، هذا إضافة إلى الورقة القانونية التي بيد الوزارة بحكم الدستور وهو ما يمكنها من قوننة التوصيات التي سيخرج بها الحوار الوطني و الذي ستجتمع عليه أغلب الجمعيات ضمن الحوار الوطني، والتساؤل إذن لماذا لم تصمد هذه الجمعيات المعارضة في الحوار الجامع وتفرض قوة تيارها وتضغظ باتجاه تنفيد مقترحاتها إن كانت معقولة ومقنعة، إلا أن تكون النية هي المواجهة الصريحة ضد حزب الأغلبية باعتبار الوزير المكلف بملف المجتمع المدني من الحزب ذاته.

كما لاحظ بعض المشاركين و استنكر بعضهم أيضا عدم اهتمام الجهات المنظمة ببعض الأمور التي لها رمزيتها الأخلاقية والوطنية في مناسبات كهذه، و من ذلك عدم الافتتاح بالقرآن الكريم، عدم رفع أو تأتيت المشهد بالعلم المغربي ولا إظهار صورة الملك، وهو ما ددفعه للتساؤل عن النيات الحقيقية للجهات المنظمة خاصة مع فسح المجال واسعا بالمقابل أمام الحركة الأمازيغية لترفع علمها و تظهر الكثير من مقوماتها و مواقفها عبر الشعارات و الموسيقى.

الظاهر إذن أن هذا اللقاء كان فرصة لبعض الجمعيات و الحركات المعارضة للحزب الحاكم بالخصوص، كالحركة الأمازيغية و التي شددت من أنشطتها على شكل حفلات و رقصات و معارض كما أشرنا.

كما لوحظ أن العديد من القادة قد عبروا عن نظرة حادة للصراع وشقاق مع كافة توجهات الطرف الحكومي في هذا الموضوع.

يبقى القول أن هذه المناظرة قد حققت الكثير من النجاح و تبقى الكثير من مطالب الجمعيات المشاركة مشروعة و نابعة من معاناة حقيقة مع التعقيدات القانوينة و الادراية التي يرزح تحتها الجميع، غير أن أمورا أخرى تظل يعتريها بعض الغموض و يبقى السؤال مطروحا بشأن جدواها الحقيقي خاصة مع رفعها شعارت راديكالية تكرس نظرية الصراع بعيدا عن أي حوار حقيقي و منتج.

و يبقى السؤال أيضا هو هل سيتحقق لها شيء؟ و هل ستغير من واقع القانون الذي سينجز شيئا؟

ألم يكن من الأجدى كما سبق القول، الانضواء في الحوار و إثبات القوة و الاستحقاق و إقناع القوى الحية و باقي مكونات المجتمع المدني بجدوى طرحها و وجاهته؟

هل ستكون هذه المبادرة محاولة من التيار الليبرالي الحداثي الذي يشكل أقلية تبقى ضعيفة وسط مجتمع تغلب عليه المحافظة و ذلك في محاولة لنفخ الريش و إرعاب الخصوم؟ وما مدى القوة الحقيقية والتمثيل الحقيقي لهذ التيار المجتمعي في المشهد المدني المغربي؟

إن المجتمع المدني عنصر أساسي في صناعة مستقبل البلاد، ونظرا لتميزه بالانفتاح و حرية الفعل في أحيان كثيرة خاصة مع ما منحه الدستور الجديد فإن عدم ضبطه وفقا لأولويات المجتمع المنسجمة مع خصوصياته و حاجاته الحقيقية النابعة من عمق مشاكله وهمومه قد يفسح المجال لإقحام المجتمع في قضايا و خوضه لمعارك لحساب الغير ستستنزف الوقت والجهد و المال وقد نجد أنفسنا في الأخير قد حدنا عن السياق الصحيح.

لهذا فإن التعامل مع الموضوع يجب أن يتسم لا من طرف الحكومة ولا من قبل فعاليات المجتمع المدني بكافة أطيافها مع تسليم برغبة الجميع في الحفاظ على مصالح المجتمع بمصداقية أقوى وحرص أكبر على المصالح العليا للمجتمع وذلك دون تقييد فعله وفاعليته ولكن أيضا دون تراخ أو تساهل مع القيم الدخيلة والمنافية تماما لقيمنا النابعة قبل الدين من تاريخ و تراث و تقاليد عميقة وعظيمة.

 فاعل جمعوي و باحث.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد