رثاء المهندس خالد الغازي
حميد طولست
بعض البشر يغيبون روحا وذكرا قبل غياب الاجساد ، والبعض الآخر يبقى روحا وذكرا سنوات بل مئات السنوات وربما يبقون إلى يوم النهاية بعد موتهم , كما في قول الشاعر :
كم مات قوم وما ماتت مكارمهم .
.
.
وكم عاش قوم وهم في الناس أموات .
صحيح أن الزمن لابدّ أن يُقلّص ما قد يكون لدى الإنسان من آمال وطموحات ، وصحيح أيضا أن طموحاتنا وآمالنا تتضاءل مع مرور الأزمان وتصبح أقل إلحاحية ، وصحيح كذلك أنّ حماسنا وسعينا لتحقيقها قد يتناقص كلما تقدمت بنا الأعمار .
لكن تعلقنا بالحياة لا يتناقص مهما تقدمت بنا السنين ، وتشبتنا بالبقاء والخلود لا يتضاءل ولو شاخت الأجساد و ترهلت الأطراف .
.
ونحن في عز جنون نسياننا للموت ، وفي غمرة تعلقنا بخلود زائف ، ووهم بقاء كاذب ومخادع ، رنت فجر اليوم الخامس عشر من شهر يناير من العام 2014 ، أجراس تحمل أخبار الأحزان والأكفان ، كما حدث في نفس الشهر من العام الماضي حيث جلجلت نفيس النواقيس في قلبي معلنة حرماني في 2/1/2013 من حنان والدتي ، وقبلها بسنوات وفي نفس الشهر، حرمت زوجتي من أمها “حماتي ” في 17/1 من نفس الشهر ، وها هي أجراس الموت عينها تطن مرة أخرى خلال نفس شهر المشؤوم هذا ، العامر جعبته بأخبار اليتم المفاجئ ، بسهامه المعدة ، والتي تبحث لها عن ضحايا تصيبهم اليوم أو غدا .
رنت اجراس يناير تحمل نبأ موت احد الأحبة من مصر ، المهندس خالد الغازي ، الذي جحظت من وقعه رزيته الأعين ، وصمتت من هولها الأصوات ، وبهتت من قسوتها النفوس ، وكادت القلوب من شدة وطأتها تتوقف عن نبضها ، وقاربت الأنفاس من جراء ثقل ألمها من الاختناق في مسالكها ؛ كان المصاب جللا ، والوقع مؤلما .
ونحن كما نحن ، نلطم الكف بالكفّ ، نتحسر ونتأسف ، مسلمين للقضاء ، غير مصدقين بوقوع البلاء ، وكأننا لم نكن نعرف أن الموت هو نهاية الرحلة ، وأن زورق الحياة تدفع به الرياح من غير توقفٍ صوب النهايات!! .
حاولتُ أن ألطف أجواء الحزن والأسى المخيم على روحي ووجدان زوجتي ، باستعادة مخزون ذكرياتي مع الفقيد رحمه الله ، فمرت بخاطري أحداث من الماضي القريب جعلت بسمة خفيفة حميمة تعتلي وجهي ، ما أثار فضول زوجتي الغارقة في دموعها ، متسائلَة بحزن عينيها عما حل بي .
.
.
فاسترسلت أسرد عليها ما تذكرته من لحظات فرح عشناها صحبة المرحوم ، غفر الله له ، خلال عقيقة حفيدتنا الغالية “لينا” حفظها المولى عز وجل ، وضحكاته ذات النكهة الخاصة المعبقة بالصدق والعفوية -المفقودة بين الأنام في هذا الزمان – التي لازلت موسيقاها تداعب سمعي ، وهو يسوق الاطفال في “قطار زغنطووط” ويلف بهم جنبات الحديقة ، مرددا مع عبد المنعم مدبولي أغنيته الخالدة ” توت توت قطر زغنطوط ” وملامح الرضا المشعة من خنايا روحه الطيبة ، تطفح بريقاً ولمعاً على أديم وجهه كالطوفان يغمر الحفل والمدعوين بمرحه الذي لا تغيب عنه كياسته اللامحدودة ، وتواضعه العظيم .
هزت زوجتي المصعوقة رأسها بكل ما تبقى لديها من قوة وطاقة هزة خفيفة مؤكدة على أن طيبته حكاية نقشتها أنامل الزمان على بهاء طلعته التي كلما أمعن المرء النظر فيها ، كلما زادت ملاحها سطوعا وألقاً ورقيا ، وزاد تقديره لذاك الألق المتفرد والرقي النبيل والمتميز .
فكن على يقين أيها الطيب النبيل ، أن خروجك المبكر من قلب حياتنا ، تركِنا نلوك الوحدة متعطشين لرنين صوتك ، وبسمة ثغرك ، ورقة أحاديثك ، وبهاء نظراتك ، تلك النظرات التي علمت المحيطين بك معاني التحمل والصمود ، وعلمتنا أن الإرادة خير معين للبقاء تحت سماوات الوجود .
وكن على يقين كذلك أيها الصديق الصادق ، والأخ الحنون ، والرفيقة النبيل ، أن روحك ستحوم في أرجاء دنيانا طالما بقينا من أهلها ، ووجهك الباسم سيتربع على محراب صلواتنا وادعيتنا ما عمرنا فيها ، ونجمك المشع حنانا ، سيسطع ألقاً في آفاق حياتنا مع كل مطلع الشمس ومغربها دون أن يأفل .
.
وكن على يقين أيضا أيها الخل الوفي ، أن هذه الكلمات لا تفي بحق مقامك ولا مقدارك ، ولكنها حروف من وفاء نابعة من الاعماق لا بد منها لرجل يستحق كل الوفاء ، وسلام على روحك ، وارقد بطمأنينة وسكينة في مضجعك السرمدي تحت وشاح ثرى وطنك الذي أحببته وخدمته بقلبك وروحك وفكرك ، واعلم أنّك ستبقى خالداً في ذاكرة أهلك وأحبابك وأصدقائك وكل عشاق رياضة سباقات السيارات .
.
Hamidost@hotmail.
com