لهذه الأسباب، تبوأت “النخبة” المراكز بعد الاستقلال
مر تعليم سلطات الاحتلال الفرنسي بالمغرب في محطتين هامتين، وتعتبران بمثابة نقطة تحول في السياسة التعليمية المتبعة وقتئذ، وهما: – سنة 1930 و1944م:
سنة 1930 والإرهاصات الأولية السابقة لها:
من المعلوم بمكان، أن ثلاثينيات القرن الماضي توجت بإصدار الظهير البربري الذي يحمل في طياته أهدافا امبريالية محضة، وهو ما تصدى له عقلاء هذا البلد بالحزم والنضال.
ولم يسلم الشأن التعليمي نفسه من تبعات ذلك العقد من الزمن.
ففي سنة 1923 تم الشروع في تأسيس بعض (المدارس البربرية) ب “إيموزار” و”عين الشكاك” و”آزرو” و”عين اللوح” كبداية لسياسة تعليمية لخصها (المسيو مارتي) بالقول: “إن الأمر يتعلق هنا بمدارس فرنسية –بربرية، مدارس تضم صغار البربر، يتلقون فيها تعليما فرنسيا محضا، ويسيطر فيه اتجاه مهني، فلاحي بالخصوص”.
ومن هنا نهجت فرنسا سياسة التبعية والتفرقة حاملة شعار:”إن المدفع للثوار، والمدرسة تجلب السكان”، والسعي نحو خلق جيل تابع للثقافة الغربية، على شكل مدارس احتلالية في بعدها السوسيولوجي.
كما شمل ذات التخطيط المرحلة الثانوية.
أما في التعليم العالي فتم إنشاء معهد الدراسات المغربية العليا بالرباط، والمتحول غداة الاستقلال إلى كلية الآداب.
ويهتم في ذلك الوقت بدراسة اللهجات المحلية والفلكلور المغربي.
.
وتوجت هذه الحركية على المستوى التعليمي بإصدار ما يسمى بالظهير البربري لإحداث الفرقة بين أبناء الشعب الواحد، وتيسير سبل السيطرة والتحكم في العقول والأبدان في نفس الآن.
سنة 1944:
في هذه المرحلة تم تسجيل فشل السياسة التعليمية المتبعة من طرف السلطات الفرنسية، ولم ترقى النتائج إلى حدود المطلوب بحيث تحولت الحركة الوطنية من المطالبة بإصلاحات جزئية إلى حركة نضالية صعدت من سقف المطالب وفي مقدمتها الاستقلال.
ومن هنا بدأت الحركة بفتح وتشجيع المدارس الوطنية كحل بديل يمول من جيوب أبناء الشعب المغربي.
لكن ما يؤخذ على هذه المدارس كون غالبيتها الساحقة ابتدائية.
أما الثانوية منها فلم تكن تتعدى أصابع اليد الواحدة.
وليست هنالك البتة جامعة تستقطب خريجي هذه المدارس، مما يجعل طلبة العلم بها دون كفاية تذكر لتحمل المسؤوليات وتبوء المراكز غداة الاستقلال على عكس النخبة التي تخرجت فيما بعد من المدارس الفرنسية.
وعلى ذكر هذه “النخبة”، فإن فرنسا خففت من شروط القبول بالمدارس الأوروبية ذي التعليم الجيد سنة 1944، مما دفع أصحاب الطبقات البورجوازية والأرستقراطية إلى التهافت عليها.
وختاما، يمكن تلخيص النتائج التي أسفر عنها تعليم الحماية بالمغرب فيما يلي:
الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب دون تعليم.
تكوين تعليم طبقي سيؤثر فيما بعد في مرحلة ما بعد الاستقلال.
التعليم الفرنسي في المغرب لم تستفد منه الجماهير الشعبية إطلاقا.
رغم السماح بعد سنة 1944 بإنشاء بعض المدارس الوطنية الحرة، إلا أن طبيعة التدريس بها كان تقليديا متخلفا عكس التعليم الأوروبي الحديث.
بعد الاستقلال، خلق تياران اثنان: -تيار ذو نمط غربي – وتيار ذو نمط عربي إسلامي، سيعيشان في صدام مرير مدة لا بأس بها من الزمن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رغم ما يمكن أن يلحق المقال من انتقادات على مستوى توظيف بعض المصطلحات ك”البربر” وغيره وهذا هو عين الصواب.
إلا أن الأمانة العلمية تقتضي ذلك احتراما للأصل.
وعلى هذا الأساس، تعرض “محمد عابد الجابري”، صاحب كتاب: (أضواء على مشكل التعليم بالمغرب) الذي نحن بصدد تلخيصه لانتقادات كثيرة من هيئات وفعاليات أمازيغية، وليس المقام محلا لبسط هذا الأمر.