تحرير الملك العمومي وفراغ الصناديق

رشيد صفـر

في بداية هذا الأسبوع الذي يوشك على “الويكاند”، عرفت مدينة البيضاء حملة لتحرير الملك العمومي من أيادي وأرجل “الفرَّاشَا”، الذين ينعتون بالباعة المتجولين رغم أنه ليس بينهم وبين التجوال أي علاقة، إذ أن أغلبهم يتخذ من فضاء تجارته مقرا لتخزين السلع ومكانا دائما للبيع والشراء، ومن بين الأحياء التي شهدت عمليات هدم وكنس مخلفات “الفرَّاشا”، مقاطعة الحي الحسني بالبيضاء، وبالضبط ساحة حديقة الأخطل المتواجدة أمام مدرسة الأخطل الابتدائية، ومحيط السوق الرئيسي للحي الحسني.

العارفون بخبايا الحي الحسني يعلمون جيدا أن عددا كبيرا من الباعة المتجولين هم صنيعة منتخبين معروفين، يقهرهم صندوق الأصوات التائهة، فيدافعون عن تواجد الباعة المتجولين بشتى الطرق لغرض في نفس “الصندوق”، وهؤلاء الذين يعدون ورقة في الصناديق، هم أيضا منذ زمن بمثابة صندوق آخر، لكنه هذه المرة أسود خاص ببعض رجال السلطة المحلية، الذين يستخلصون من الباعة المتجولين صكوك البيع خارج الإطار القانوني.

وليس بالغريب على مرشح لا يلوي على برنامج صالح للتطبيق على أرض الواقع، بجرأة ووزن ومشوار سياسي ثقيل ونظيف وتاريخ أثقل وأنظف، (كي يستميل الناخبين العازفين عن التصويت)، أن يساهم في انتشار الباعة المتجولين، ويدافع عند وجودهم و”حقهم” في احتلال الملك العمومي، ضدا على برامج حزبه المزركشة بعبارات الإصلاح والحكامة الجيدة وإحقاق الحق، فتجده يدافع  في الخفاء وفي العلن وبمباركة من زعامات الحزب، عن احتلال الملك العمومي تطبيقا لمعادلة (كل بائع متجول هو صوت أو أصوات ( أفراد العائلة) وفية للصناديق التي يتبارى على كسب أغلبيتها منافسو المرشح).

في المغرب يتوجه بعض الناخبين الاستثنائيين لصناديق الاقتراع، لإعادة انتخاب شخص يضعون فيه “الثقة”، نعم ثقة حماية الحق في كعكة استغلال “الباركينغ”، الذي يستغله غالبا أشخاص أسوياء ويُحرم من الاستفادة من مداخيله المقعدون والأرامل والفقراء، كما  يتوجه الباعة المتجولون “ولاد الحي” لصناديق الاقتراع، ومعهم بعض الباعة المتجولين “الوافدين على الحي” من مناطق ومدن وأحياء أخرى، بعد أن تـُنجز لهم بتسهيلات محفزة، بطائق تعريف وشواهد سكنى للتمكن من الحصول على بطاقة الناخب والتصويت، / يتوجهون للصناديق، لتكريس تصويت من نوع خاص وحصري، إذ لا يكون نتيجة اقتناع بإيديولوجية الحزب أو برنامجه أو مواقف “المرشح” أو قادة الحزب أمام عاهات المجتمع الحقيقية واختلالاته، بل نتيجة للبحث عن مصلحة شخصية أو تثبيتها وضمان امتداد الاستفادة منها، حتى ولو كانت امتيازا ضد الحق في أزقة منظمة وملك عمومي مُحرر، يستفيد منه الجميع حسب الغرض المخصص له.

منذ زمن بعيد استنتج المغاربة أن الدافع للتوجه لصندوق الاقتراع، غالبا ما يكون مؤشرا على غض الطرف عن بعض التصرفات الشاذة، التي تنخر المجتمع وتقذفه للوراء كما تـُقذفُ الحجرة بواسطة “المنجنيق”، لكن للخلف وليس للأمام، وبذلك يؤسس المجتمع في عملية الانتخابات بشكل مستمر، لتصرفات وسلوكات تقف ضد الديموقراطية وتكافؤ الفرص واحترام حقوق الآخرين والالتزام بالواجبات.

فهل تحرير الملك العمومي سيكون دافعا إلى تراجع الإقبال على صناديق الاقتراع؟

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد