جاء دورك يا “بونوارة” فمت قرير العين بما ينتظرك عند رب رحيم !!

حميد طولست

مرة أخرى هاتفني  صديقي “عبد المالك ” ليخبرني بأن نواقيس الموت قد جلجلت في مدينة فاس ليخبط بشراهة عشواء من تصب من ارواح الكبار والصغار تمتها ومن تخطء تعمر فتهرم ، وكأنه يشتهي أبناء هذه المدينة ويشتاق إليهم، ولا يهنأ له بال ولا يطمئن له خاطر ، إلا وهم في جوف أرض مقابرها لا يغادرونها أبدا .

اقشعر بدني ، وانفطر قلبي وتصدع فؤادي ، وانهمرت دمعات من عيني ، حين علمت أن الذي استدرجه الموت هذه المرة إلى صدره مختصرا عذابات أيامه وغربة لياليه هو “السي محمد بونوارا” واحد من الذين سكنوا فاس وسكنت قلوبهم ، ونبضت عروقهم بها وأدمن شم نسائم حاراتها ، وأريج شوارعها وأزقتها ودروبها وبيوتاتها ، التي ألف الطواف فيها بقامته الفارهة الممدودة ، وهامته المفرودة التي تتنفس عشقاً لأزقتها ، وكأنه حارسها من المعتدين والمتهورين والمجازفين بأهلها وحوانيتها المكتظة بزوارها.
.
.

أحسست حينها بغبن وأسف ، واحتارت أفكاري في رحيل هذا البئيس ولم  تظهر على سحنته علامات الهرم أو الشيخوخة ، وطار عقلي أمام لاعقلانية ذهاب حياته سدى بلا طعم ولا رشفة منطق ولاحتى إنسانية ، وأيقضت في دواخلي زوبعة الأسئلة من البيزنطية المتشائمة حول ما كتبت عليه الأقدار من مصائر غير  نبيلة غدارة ، كابد معها الوحدة والغربة ، والحرمان من دفئ الرأفة والرحمة وأحضان الأحبة ، التي طالما تلمسها –معذورا- في الإدمان على ما يدغدغ أوتار وجدانه المكلوم ، ويعالج نفسه الحزينة ، وينعش أحاسيسه المكبوتة ، ويدخل عليه صدره الكمد بعض البهجة والسرور، ويسحبه إلى سنا الفرح والحبور، ويضخ فيه شحنات من الأمل والتفاؤل ، الذي يخفف عنه –ولو مؤقتا- أتعاب العطالة وضنك العيش، وضغوطات الحياة ، ويفرج بعض من الكرب التي كان يحكي عنها – كلما سنحت له الظروف-  قصصا توحدت كل مضامين موضوعاتها في :”نكران الجميل ، وغدر الزمن ، وشقاء السنين” التي كابد مرارتها في ماضيه الأليم وحاضره البئيس ، ومستقبله المجهول ، والتي سرعان ما تعاود وقعها من جديدة على نفسيته المنهوكة كلما زال مفعول المسكن المسلي ، فيعود لهمومه وأحزانه وأسفه على قدره الذي لم يمكنه من الإستمتاع بملذات الحياة الدنيا بكل أشكال ومضامين “بنسماتها الجميلة التي قال عنها الله سبحانه وتعالى : “إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم و تاكثر في الأموال والأولاد”  التي حرم منها .

رحمك الله يا غريب وعوضك بأحسن منها وآخر دعائي أن الحمد لله رب العالمين الذي يقول :”يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية مرضية فأدخلي في عبادي وأدخلي جنتي” ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

Hamidost@hotmail.
com

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد