وبضدها تتميز الأشياء !!

حميد طولست

كل شيء في هذا الكون ، مهما صغُر ومهما كَبُر ، يمكن مقارنته بسائر الأشياء ، لأن أي شيء مهما اختلف عن غيره في الخواص والسمات من أن يشترك مع غيره في خواصٍ وسماتٍ أخرى ، و أنه لابد لكل شيء مهما شابه أو ماثَل غيره ، من أن يختلف معه في جوانب ونواحٍ أخرى.

المقارنة وسيلة في التفكير والبحث عن أوجه الشبه والاختلاف أو الفَرْق أو التباين  بين شيئين ، نستعملها للتوصُّل إلى “الحقيقة” لأنه كما ورد في مشهور الكلام أنه ” بضدها تتبين الأشياء ، والضد يظهر حسنه الضد ” بخلاف المقولة الشهيرة ” لا تقارن السيف بالعصا ” والتي حُفّظناها في المدارس الاعدادية على أنها من المسلمات .
.
والتي تفندها المقولة ” الضد يظهر حسنه الضد ” أو قولة المتنبي: “وبضدها تتميز الأشياء ” التي لا تقل عنها مصداقية والتي جعلت غالبيتنا ميال للمقارنة بين سلوكنا وسلوك شعوب العالم الغربي الذي نسعى دائما إلى استنساخ نماذج طبقا للأصل من منجزاته في ميادين وأمور عدة ، والذي يحرم بعض المتخلفين تقليد ما تقدم عليه شعوبه من افعال حتى ولو كان ذلك علما .
.

موجب هذه المقدمة حول المقارنة وضرورتها للكشف عن ملامح الخلل والقصور والنقص والاختلاف بين مثالين من نفس الصورة ، حتى لو لم يملكا نفس الأدوات والإمكانات والظروف ، هو ذلك الحدث الذي زلزل فرنسا وباقي العالم والذي كان بطله الرئيس الفرنسي السابق “ساركوزي”  والذي لم استطع معه مقاومة الرغبة في اقتراف القارنة – رغم معرفتي ، بل يقيني ، بأنه إجراء فعلي وسلوكي يزعج الكثير من المسؤولين والمعنيين ، الذين يعتبرونها شططاً وإجحافاً وانتقاصاً من شأنهم – بين الذي يحدث في الكثير من بلدان الغرب المتحضر ، الذي نسعى جاهدين إلى استنساخ نماذج طبقا للأصل من منجزاته في ميادين وأمور عدة ، وبين ما يحصل في عالمنا العربي ، الذي لم يستوقفني فيه قط نموذج واحد من نماذج تطبيق الديمقراطية والعدالة والمساواة الحقة ، كالنموذج الذي عاشته فرنسا ، في الأيام القليلة الماضية ،  والتي قدمت رئيسها السابق “ساركوزي ” للتحقيق بتهم التلاعب بمالية الانتخابات والتزوير في فواتيرها ؛ الحدث الذي إن دل على شيء فإنما يدل على أن “فرنسا”  من البلدان التي يخضع نظامها السياسي لمذهب الديمقراطية الذي يعطي للانسان اهمية قصوى ولا يتوانى عن الكشف عن خروقات كبار القادة والمسؤولين ، ونخل كل تجاوزاتهم التي تمس بالقيمة الاعتبارية للإنسان أو تبخسها ، كما هو حال الدول المتحضرة التي تهتم بمواطنيها وتقيم لإنسانها وزنا ، عاى اعتبار أنه اهم قيمة في الموجودات الحية في الكون.
.
.
وأنه أعظم ثروة في حياة المجتمعات المتقدمة التي تحترم نفسها ، وتعتبره رأس مالها ومصدر كل السلط بها ، وهدفها الاسمى الذي يستوجب النضال والتضحيات من أجل اسعاده ، فتراها تجند كل أجهزتها لحمايته وخدمته ، ـوإذا ما تطاول أحد مسؤوليها  على حقه – كيفما كانت مرتبته – واستغفله أو ابتزه ، أو قام بالتدليس أو التزوير والنصب عليه ، فإن عقابها له ، يكون أقسى من مواطنها العادي ، لكونه استغل وظيفته ومركزه ، ومارس الشطط في استعمال سلطته ، وأخل بمسؤولياته نحو من كلف بخدمتهم من المواطنين .
.

أما أمر الإنسان في المجتمعات والدول العربية التي تسير على رأسها -وهنا تأتي فائدة المقارنة وضرورتها -وما وصلت إليه قيمته الاعتبارية ، فمريع الى درجة تبعث على الغثيان والاشمئزاز ، ودليل قاطع على مقدار تخلفها ، حيث أن سعر الإنسان عند حكامها ، بخس لا قيمة له ، بل هو ادنى مستوى من الحيوان وأرخص من أي بضاعة او سلعة منتهية الصلاحية ، حيث لا يعدو أكثر من كونه رقماً في سجلات الأحوال المدنية ، فلا يُهتم به ولا يُعتبر ذا قيمة إلا أثناء الاستحقاقات الانتخابية ، وبعدها تنتهك خصوصياته ، وتستباح ممتلكاته ، ويحاكم على أبسط الجنح ، بينما الذين هم في السلطة والتدبير ، ابتداء من أصغر مسؤول إلى أكبرهم  ، فليس لأي كان الحق في انتقاد تجاوزتاهم وخروقاتهم ، وكأنهم معصومون ، رغم أن من بينهم أبطالا في الفساد المالي ، – الذي يمكنهم من دخول موسوعة “جينبس” للأرقام القياسية من بابها الواسع وبدون منافسة – الذي لم تأخذ المجتمعات والأنظمة المستبدة وأعوانها ، اي اجراء للتفكير في ضرورة العمل على جعل واقع قيمته الانسان العربي هدفا قيما بذاته ، وانتشاله مما هو فيه من تغييب للقيمة من قبل الذين ينشرون الأساطير المنافية للعقل، سواء على المدى القصير أو البعيد ، ما جعل  قيمة الانسان العربي -رغم امتلاكهم القدرات البشرية الهائلة والموارد الاقتصادية الضخمة – لا تتناسب حتى مع قيمة الإنسان الاسرائيلي كنموذج مثالي وصل الى ما وصل إيه من مراتب خطيرة ، بما يأخذ به الإسرائليون من قيم الحضارة والدمقراطية الليبرالية وتطبيقها بصورة عملية على شعبهم .
.

Hamidost@hotmail.
com

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد